لماذا قتل انتحاري دير عمار عائتله أيضاًَ


تزنر محمد حمزة بالحزام الناسف رافعاً شعار “الموت ولا السجن”، من دون أن يتوانى عن الضغط على الزر وتفجير نفسه وسط عائلته حين دهم الجيش اللبناني منزل شقيقته فجر السبت الفائت، ما أدى إلى وفاته ومعه والدته وابنة شقيقته.

الخبر أصاب الجميع بصدمة، فبعد أن كان هدف الانتحاريين قتل أكبر قدر من “الاعداء” باتت عائلاتهم اليوم غير بعيدة عن دائرة الاستهداف، ما يطرح تساؤلات عن عقلية “المتطرفين” وكيف وصلوا إلى هذه الدرجة من الاستخفاف بحياة أقرب الناس اليهم؟!

من”ابن شارع” كما أطلق عليه من سئلوا عنه إلى شخص ملتزم لا بل متطرف دينياً، في حي شعبي في البداوي ترعرع “على الاشكالات مع الجيران بسبب حبه للظهور ونزعة الأنانية والتباهي بالنفس التي كانت لديه”، بحسب ما قاله أحد الجيران رافضاً ذكر اسمه  وشرح: “تفاجأنا بالتحوّل الكبير الذي بدا عليه بعد خروجه من رومية قبل سنوات، فمن شاب متهور يحب الوشم والسهر، مرتبط بفتاة مكشوفة الرأس، لباسها غير محتشم، الى انسان متدين يربي لحية وذلك نتيجة عملية غسيل الدماغ التي تعرض لها على يد الاسلاميين داخل السجن، والتي كانت وراء مشاركته في المعارك بين جبل محسن وباب التبانة حيث كان مقرباً من أسامه منصور”. وأضاف: ” كان يغيب فترات عن المنطقة قبل ان يعاود الظهور، وفي آخر أيامه انتقل الى منزل شقيقته في دير عمار- المنية للاختباء كونه كان ملاحقاً من القوى الأمنية”.

سجل عائلة محمد(31 عاماً) في منطقة عشاش- زغرتا لكنها من مرياطة، ويقول مختار عشاش: ” أيام الدولة العثمانية نقل قسم من آل حمزة في مرياطة نفوسهم الى عشاش كي يتهربوا من السخرة كون بلدتهم كانت تابعة لولاية عثمانية، أعرف المرحوم والده سائق سيارة اجرة ووالدته، كانا يقصدانني لانجاز اخراجات قيد، (اوادم ومساكين)”.

أما جار محمد فلفت الى ان “عائلته متواضعه، شقيقه وليد قتل قبل نحو ثماني سنواتٍ على يد صديقه، شقيقه الأكبر سائق سيارة أجرة، لديه صهر يعمل في ميكانيك السيارات، بعد تفجير نفسه علمنا أنه كان يخبر المقربين باقدامه على هذه الخطوة التي هي أسهل بالنسبه له من السجن”.

ملابسات الحادث
قيادة الجيش – مديرية التوجيه أصدرت بياناً بعد الحادث شرحت فيه ما حدث كالآتي: ” أثناء دهم قوة من الجيش منزل المطلوب محمد مصطفى حمزة في محلة دير عمار – الشمال، بادر الأخير الى رمي رمانتين يدويتين في اتجاه عناصر الجيش، انفجرت إحداهما، ما أدى الى إصابة سبعة عسكريين بينهم ضابطان بجروح غير خطرة، ثم أقدم على تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف ما أدى الى مقتله ومقتل مواطنين اثنين من أقربائه واصابة عددٍ آخر بجروح. والمدعو حمزة مطلوب للعدالة لاقدامه خلال العام 2014 على اطلاق النار في اتجاه دوريتين تابعتين للجيش في محلة المنكوبين – طرابلس، ومشاركته ضمن مجموعة مسلحة بتاريخ 23/9/2014 في اطلاق النار على نقطة مراقبة تابعة للجيش في محلة البداوي – طرابلس، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين، إضافة الى إطلاق النار أيضا في اتجاه مواطنين ما تسبب باصابة أحدهم.

وقد أوقفت قوى الجيش بنتيجة عملية الدهم عددا من الاشخاص اللبنانيين والسوريين على صلة بالانتحاري القتيل. تولَت الشرطة العسكرية التحقيق في الحادث باشراف القضاء المختص”.

سلسلة تراكامات
خطوة محمد تدفع الى السؤال كيف يمكن لانسان أن يضحي بأهله؟ أي آيات قرآنية وأي أحاديث يستند عليها المتطرفون لتبرير قتل الناس لا بل الدائرة باتت تضييق والعائلة لم تعد بعيدة عن خطر أقرب الناس اليها، عن ذلك أجاب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أحمد بان قائلاً ان “حجم التكوين الفكري والنفسي الذي يتم داخل شخصية المتطرف هو تراكم طويل يحتاج إلى وقت لتكوينه، حيثُ يضعُ أولويات جديدة في ذهن الشخص تجعل مواقفه غير مفهومة للعامة، لكن بالعودة إلى المكوّن الفكري والتربوي الذي تم تشكيله على أساسه نفهم كيف وصل هذه المرحلة”.

خلفيات غسيل الدماغ
وأضاف بأن “غسيل الدماغ لأصحاب هذه التنظيمات المتطرفة يصل إلى مستويات قياسية، حيث تلعب تأويلات النص الديني دوراً خطيراً في تكوين النص، اي اصطحاب بعض الأفكار والروايات المشكوك فيها والمشكوك في سياقها واسقاطها على واقعنا بشكل واضح، على سبيل المثال عندما يتحدث البعض عن سيدنا ابو بكر الصديق الخليفة الأول كيف كان ابنه سيقتله في المعركة وعندما اسلما معاً تحادثا هذا الحديث (قال له كدت اقتلك فتنحيت عنك، فردّ ابو بكر: لو رأيتك لقتلك) ، هنا المعتقد يرتب مستوى جديداً من العلاقات الانسانية حيث يجعل علاقة التنظيم متقدمة على علاقة النسب، ثم تستدعى آيات أخرى من القرآن الكريم لتتحدث عن فكرة الولاء والبراء، وأن الولاء يكون للمؤمنين حتى وإن لم يكونوا أصحاب وشركاء، وتستدعى آيات مثل ” لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون”.

الأولوية للتنظيم
وتابع البان شرحه لأسباب اقدام الانتحاري على قتل عائلته قائلاً ” يحصل ترتيب جديد للعلاقات البشرية مختلف عن الترتيب الانساني الذي نعرفه، تحل الرابطة التنظيمية مكان الرابطة الانسانية أو رابطة الدم، من هذا الباب يستحل قتل والده لأنه يعتبره عدو للدين الذي يتصوّره ولا يجد حرجاً أبداً أن يفجّر نفسه في مواجهة والدته او والده أو أشقائه في اطار الدفاع عن معتقده الذي يتقدم على كل هذه العلاقات”. وأردف بأن الانتحاري “يفجّر نفسه ليحمي اسرار التنظيم حتى لو كان على حساب عائلته، لأنه الاولويات تغيّرت بالنسبة له فأصبحت حماية التنظيم متقدمة على حماية الأسرى”.

الانتحار في الاسلام
وهل يجوز الانتحار في الاسلام؟ أجاب البان: ” دائما ما تقيس هذه الجماعات على واقعة في السيرة النبوية وهي عندما استحكمت قلعة من القلاع وتسوّر احد الجنود ليفتح باب السور وهو يعلم أنه مقضي عليه. ما حصل جزء من عملية حربية مع الاعداء تم اجتزائها والتعسف في فهمها واسقاطها ليتوسع المفهوم الى حد تفجير شخص نفسه بالاعداء، تحت تسمية انغماس، اي انغمس في وسط الاعداء وأحدث فيهم قتلاً عظيماً، المسألة هذه مرتبطة بفتاوى محددة يطلقها بعض الفقهاء لكن لا ترقى الى أن تكون حكماً أو مبدأ اسلامياً، فهي مرتبطة بسياقات معارك.

لكن ان يتم اطلاقها بهذا الشكل لتصبح احدى الادوات كما لو تحوّل الأمر من فتوى لشخص في موقع حرب للدفاع عن المسلمين، الى حكم عام يصلح في كل وقت وفي كل زمان فهنا الازمة”.

التعليقات مغلقة.