السعودية لـ الحريري : هذه فرصتك الاخيرة

 

“نعم بعد سنة ونصف من الفراغ وبعدما رفض كل الأطراف، حلفاء وخصوم، تبنّي مرشح توافقي من خارج الأربعة الذين تعاهدوا فيما بينهم في بكركي، فتحنا حواراً مع الوزير فرنجية. هل رأيتم متى، بعدما أُقفل كل مجال” هكذا أطل الرئيس سعد الحريري على جمهوره في احتفال الذكرى الحادية عشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري مقدماً مرافعة شفهية بمثابة دفاع خطي عن سبب ترشيحه خصم الأمس، حليف حزب الله والنظام السوري الوزير سليمان فرنجية، عازيا ذلك، لحرصه وحميته الخالصة على موقع رئاسة الجمهورية نافخاً بكرسيها حدّ ربط وجودها بوجود البلد وفراغها بانهياره.

ربما وُفِّق الحريري بالنفخ في غبار التعمية عن الحقيقة على جمهوره الأزرق، إلّا أن هذا الغبار لن يستطيع إخفاء حقيقة الوقائع التي حملتها لقاءاته وجولاته الدولية، السابقة لـ”إقفال كل مجال”، والتي بدأت في أيار العام 2015، مع إبلاغه المسؤولين الروس استعداد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع لسحب ترشيحه إذا سحب الجنرال ميشال عون ترشيحه إفساحاً في المجال لتهيئة الأرضية لمرشح توافقي آخر، والذي كُشف النقاب عنه في شهر تشرين الثاني 2015 وجرى تسويقه في العاصمة الفرنسية باريس في لقاء جمع الحريري بالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الذي أبدى استعداده لوضع كل ثقله في هذا المجال وبالتالي التواصل مع ايران للطلب من حليفها “حزب الله” لاقناع الجنرال عون بالانسحاب مقابل ضمانات كاملة له بالنسبة لدوره المستقبلي السياسي والحكومي.

اتصالات وجولات الحريري السابقة على خط ملف الرئاسة والتي حطّ رحالها مؤخراً في لبنان متخذة من ذكرى 14 شباط مخرجا لتحرك الحريري “البري” في الميدان اللبناني، فتحت باب التساؤلات واسعاً عن دوافع حراك الحريري الميداني في هذا التوقيت بالذات وعن حقيقة مراميه، وماذا سيكون عليه وضع الحريرية السياسية في حال فشل رئيسها في حراكه هذا، وهو الذي أشار في أحد تصريحاته الأخيرة بأنه ماض بها مهما كان الثمن؟

قد تشير ظواهر الأمور إلى أن حراك الحريري مؤخرا على خط الملف الرئاسي قد حرّك المياه الراكدة فيه، ووضعه مجدداً على “رف” أولويات السياسة الداخلية اللبنانية وبات قصر بعبدا قاب قوسين أو أدنى من فتح أبوابه أمام رئيس جمهورية جديد للبلاد، إلاّ أن القارئ لباطن الأمور يجد أن لهذا الحراك خلفيات أخرى تتجاوز مشكلة الفراغ الرئاسي لتطال مشكلة الفراغ الذي أصاب منظومة 14 آذار برأسها “التيار الازرق”، والمستقبل الذي ينتظره في حال ربح خصومه الرهان في سوريا، ودلالات ذلك نلخصها بالنقاط التالية:

  • مبادرة “الحريري” بترشيح الوزير فرنجية وتجديد التزامه وتمسكه به غاضّا الطرف عن اي اعتبار آخر، لم يكن “آخر الدواء الكي”، كما حاول إظهاره في خطابه الأخير، وإنما شكلت هذه المبادرة “الفرصة الأخيرة” التي منحت بموجبها المملكة العربية السعودية “الحريري” تقديم “امتحان إكمال” في الملف الرئاسي اللبناني بعدما أثبتت ممارسته السياسية السابقة فشله في إدارة اللعبة السياسية نتيجة تغليبه منطق الاحتكار السياسي والمذهبي والعائلي مضعفا بذلك موقع رئاسة الحكومة بما يمثله هذا الموقع من أهمية، ومطوقا في آن كل الجهود الرامية إلى لم شمل السنّة السياسية المعتدلة وتقويتها.

-حضور “الحريري” لبنان وبقائه فيه، والذي يبدو طويلا وفق مصادر مطلعة، أسقط جميع الحجج والأعذار التي ربطت إقامته في الخارج بدواعي أمنية، وأشار في الوقت عينه على مدى أهمية المهمة المكلف بها، والمتمثلة بإثبات اداعاءاته بأنه ما زال لديه القدرة على اللعب في الساحة السياسية اللبنانية وبالتالي التأثير في صنع القرار السياسي اللبناني وفي مقدمته القرار في الاستحقاق الرئاسي.

  • شَكْلُ الحراك والإتصالات والتصريحات التي يُسَوِقُها الحريري، جاءت خارج إطار المؤسسات الدستورية وخارج طاولة هيئة الحوار الوطني التي ترأس جدول أعمالها بند رئاسة الجمهورية، وخارج أيضا حوار تيار المستقبل –حزب الله اللذين ما زالا يمسكان بطرفي شعرة معاوية، أقل ما يقال، بـ”قرف”، ما يؤكد سعي الحريري لتحقيق انتصار ذاتي في الملف الرئاسي على قاعدة “البقاء للاقوى”، وليس على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب” وفق تسوية مبنية على صياغة تفاهم جدي مع قوى 8 آذار وعلى رأسهم حزب الله.

بالطبع لم يتأخر ردّ “حزب الله” على هذا الحراك طويلا وذلك على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير الذي آثر الرد فيه بالاكتفاء بالشرب من كوب عصير الليمون ليزيد على “برودة” باله “برودة” في اتخاذ قرار متقدم في ملف الرئاسة غير مغاير عما اتخذه من مواقف سابقة ركزت في جزء كبير منها على السلة المتكاملة، مسجلاً في ذلك كرة في مرمى الحريري أشار من خلالها إلى أن “حزب الله” لم يقرر بعد بدء اللعبة في الملف الرئاسي، وبكل حال لن يشهد هذا الملف حلا “بسحب رقابهم (حزب الله) للنزول الى البرلمان”، وبدون التفاهم معهم، على حد تعبير النائب “محمد رعد” في تصريح له على هامش جلسة طاولة هيئة الحوار الوطني الأخيرة.

إذا هو الامتحان الأخير لـ”الحريري” يسارع فيه كما كل امتحان إلى تقديم أوراقه متنازلا عن مراجعتها واصلاح الاخطاء الواردة فيها والتدقيق في منهجية حلها وقراءة المعطيات الدائرة حول أسئلتها، مصفقاً لنفسه وداعياً من حوله للتصفيق له أيضاً، باعتبار أنه الاول الذي استطاع الانتهاء من حلها وتقديمها، ولتكن النتيجة فيما بعد من “سقوط” إلى “سقوط” مدوي آخر، وهذا ربما ما ستؤول اليه نتائج حراكه الأخير على خط الاستحقاق الرئاسي باعتبار أن الأجواء المحيطة به تشير إلى أن مفاتيح حله مازالت في جيب القوى الخارجية المنشغلة حاليا بملفات أخرى أكثر دقة وحساسية من الملف اللبناني سيما مع احتدام الصراع واتساع دائرته في الساحة السورية وما لذلك من تداعيات. ما يضع الحريري في موقف صعب جداً في حال فشلت مرامي حراكه وخسر الفرصة الأخيرة حيث سيكون حينها الثمن باهظاً.

التعليقات مغلقة.