رامي عليق : ضرورة إصلاح الهيكل الشيعي والسماح بمناقشة المدّ الايراني في لبنان

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

 

يُعرف رامي عليق معارضاً “شرساً” لـ”حزب الله”. تطغى عليه الصفة المشاكسة، فتجعل كل ما عداها انطباعاً ثانوياً. نجد في كينونته خبايا تستحق ان تُذكَر، وخصوصاً بعد الحادثة الأمنية الأخيرة التي تعرّض لها. بعد كتابه “طريق النحل” أصدر لبضعة أشهر خلت رواية بعنوان “تحت المياه الخضراء”. عن الله والدين والفلسفة والسياسة، كان اللقاء.

يفتح عليق الباب على التساؤل. “يعاند” صراحة “حزب الله” ويتنفّسه الى حد استعمال مصطلحاته وهو ينتفض على الواقع ويرفضه رفضاً مطلقاً. نتهمه بالتناقض، فيعتبره بديهياً. يتكلّم عن “ضرورة” مخاطبة القوم بلسانهم. بما يعرفونه وبما اعتادوا سماعه مذ كانوا صغاراً: “لست طوباوياً. أتوجه الى بيئتي ومجتمعي بخطاب شيعي. أُريد ان أُفهم. أتعامل مع أشخاص أُعميت قلوبهم. اللغة المعقّدة ستجعلهم يقابلونني بمزيد من الرفض. انه تكييف اجتماعي للمفردات، لا الاقتناعات. الأخيرة واحدة، لا تخضع للمساومة ولا تُرهن أو تُباع. ينبغي ان ندرك أهمية الحكمة والموعظة الحسنة”.

نترك التعقيدات لوقت آخر، فلعليق ما يقوله في شؤون هذا الوطن المحطّم. يتكلّم عن “حلّ للعقدة الشيعية. عقدة الشمولية القائمة على نظرية المؤامرة والمظلومية”. يلجأ الى الانكليزية ليصف مجتمعاً ما عاد يُحتمل. “انه مجتمع السواد. Dark Society”. يتكلّم عن “مفردات حادة” تسيطر على العقل: “شهادة. تضحية. جهاد. ظلم”. وعن “فكر شيعي قائم على العنف والثأر وردّ الحق بوسائل الجهاد”، وقائم أيضاً على “الخرافة: موقعة كربلاء المضخّمة والمهدي المنتظر”. ثم يصبح الامام الحسين، رمز الثورة الكربلائية، في قراءة عليق، “أكثر الشخصيات سلمية في التاريخ”. الحياة نظريات تتغيّر. قد تكون دينية.

ماذا عن رامي عليق الديني؟ نتعرّف إليه لنسأل أكثر. يقول إنه بعيد من قيود الأديان: “لست انساناً دينياً، ولكني لا أترك ديني. الطائفة ليست انتماء دينياً. هي انتماء مجتمعي فقط. ليكن الدين علاقة خاصة بين الانسان والاله”. اذا كان الانسان بمرحلته السامية أخلاقاً وحباً وسلاماً، فدعونا نتساءل ما هو الله؟ صفه لنا: “أتصوّره طاقة نجهلها. الله ليس الصورة المثلى عما يجري على الأرض. سأتمادى بالمزيد. لعلّ فكرة وجوده اختراع حياتيّ من صنع كائنات خائفة. الآن سيقولون عني زنديقاً. وفاسقا وملحدا.

ويبدأون الرجم. هذا تفسيري لضرورة اللجوء الى ما يظنه بعضهم تناقضاً. ماذا لو قدّمتُ هذه المفاهيم في خطابي العام؟ ماذا لو تنقّلتُ من منبر الى آخر لأتكلّم في كينونة الله وأجادل في الاشكاليات الوجودية، وفي الطبيعة والكون والصيرورة؟ مَن سيسمع، ومَن سيفيد؟ ماذا سيتغيّر؟ أليس من الأفضل والأكثر فاعلية ان أقول إنّ العناية الالهية واللطف الالهي أنقذاني من المكمن الذي نُصب لي في قريتي بغية اغتيالي؟ أرى ان ذلك أفضل بكثير، لا بل أجزم في ذلك”.

في لحظات تخصّنا نلجأ الى ان نقهر ما يؤلمنا بالاعتراف. يرفع رأسه ويتساءل: “لماذا أنا؟ لماذا وجدت نفسي في أصناف المعارضين؟ لماذا عليّ ان أعيش صراعاتي وصراعات الآخرين؟”. يتذكر أياماً مضت ليضيف الى موقفه اقتناعاً بأهمية التغيير، وللبدائل المطروحة صدقية. يومها حال دون ارتباط شقيقته بشاب من “حزب الله” لأنه “لم يكن متفرّغاً”.

التفرّغ مصطلح محض حزبي، يعني الالتزام المطلق لعقيدة الحزب ونهج ولاية الفقيه الى حد الحلم بالشهادة. كان ذلك “خطيئة” أبى عليق ان يظلّ شاهداً عليها. تبدّل الرجل كثيراً. نتركه يختار كلاماً يصف فيه هذا التبدّل: “تأمّلتُ فكانت لي الحقيقة. عرفتُ الطمأنينة حين انتقلت من العنف الى الاسلام، ومن الثأر الى محبة الآخر. هذا ما يريده الله. عشتُ خوفاً رهيباً من تهيؤات أثقلتني. وظلّ الخوف من نفسي شعوراً يلاحقني. أدرك مفاهيم أخرى لله ولعلاقتي به. الآن أعرفه على حقيقته شفافاً، وهذه سعادة”.

يحلو له الانتظار في الزوايا المتلاصقة. “غرابة” نظرته الدينية ذريعته لصنعة يتقنها: الشرح. “الانسان حرّف الأديان وشوّهها. ركّبها فاغتال بساطتها. لم تعد الأنسنة دين البشرية. أصبح الدين مبرراً للدمار والقتل وعزل الناس”. انها توطئة لجواب عن هذا السؤال: ما قضيتك كإنسان ومثقف وكاتب أمام الرأي العام؟ القضية كلمة متطلِّبة. والانسان كائن سياسي، يرى أرسطو بينما يضع الأسس الأخلاقية لهذا التعريف في كتابه “السياسة”.

لبنان، يتساءل المتألمون، هل هو نعمة أم نقمة؟ عليق يراه حلماً. يراه تجسيداً عبثياً للأنسنة. ثم يربط وضعه الراهن بضرورة “اصلاح الهيكل الشيعي”. كيف ذلك؟ يقترح أفكاراً حالمة: “ايجاد عملية تمثيلية شفافة وسليمة داخل “حزب الله”، مغايرة لأساليب الانفراد بالرأي والايعاز والفرض. السماح بمناقشة المد الايراني في لبنان بدل تلقفه جاهزاً.

الحدّ من سلطة الأمن والعسكر داخل الحزب. اضفاء بُعد لبناني على القرارات الحزبية، وعدم اذابة المجتمع اللبناني الشيعي بالحلف الايراني. وأخيراً الشفافية المالية داخله أيضاً”. من أجل هذه الأهداف، كان “لبنان غداً”، مشروعاً سياسياً كي لا يستحيل الصوت صدى. “لا بدّ من التطبيق. أعرف انني اخترت الطريق الأصعب، ولست نادماً. قد أُرمى بالجنون. سأعترف بالأمر وأحسم التكهنات. أنا مجنون. طاقة هائلة في أعماقي تحرّكني. ولن أتراجع”.

تكون الشهرة لبعضهم دافعاً لإختراع نظريات من شأنها ان تجعل داروين في نهاية الأمر إلهاً. نسأله فيجيب: “الشهرة زائفة، عُرضت عليّ تماماً كالمال، ورفضت. لا أريد العبور فوق الدمار كي لا يتراءى لي جمالاً خارقاً. وبعد، هل يستوجب اعتبار “حزب الله” حالة جماهرية لا جهازاً عسكرياً أمنياً، حتمية الشهرة؟ كان في امكاني بناء مجد مادي ومعنوي بالعمل لمصلحة تنظيم آخر معارض.

العروض كثيرة، أقابلها بالرفض. استطعت بالكتابة ان أشكّل خللاً داخل بنية الحزب الجماهيرية. حُرِّم “طريق النحل” و”تحت المياه الخضراء” وباتا رجساً. كل ما في الأمر اني بلغت أعماق المجتمع الشيعي ونفوس أبنائه. السؤال الممنوع أصبح متداولاً: أحقاً ذلك؟ التأثير في القاعدة الشيعية قرّبني من ضمائر الناس. المعارضون الآخرون لـ”حزب الله” لم يحدثوا هذا الخرق”.

يرى عليق النفق أسود، فيضيئه بشمعة. يميّز ما بين “المنظّرين بأهمية الاصلاح داخل “حزب الله” بينما لا يفقهون عن الحزب الا القشور”، ومن عاش “عمق التجربة الشيعية”. كي لا يتهم بالنتظير، اختار التطلّع الى المستقبل بنظرة نقدية لواقع معيش يحرّك البيئة الواحدة أولاً، فالانسان صانع التحوّلات الكبرى. متعب ان يشعر المرء بكل تلك المسؤولية، والمتعب أكثر ان يستمر بمزيد من الشغف.

فاطمة عبدالله

التعليقات مغلقة.