نزيه خاطر عاش حياته بطقوس أشبع بها نقده الفني حتى النزوة

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

 

مجموعة كبيرة من الصحافيين والعاملين في مجالات الثقافة والفن التشكيلي والمسرح، رفدت مساهماتهم كتاب “نزيه خاطر جمهورية الأعداء” (1930 – 2014) لنادين أبو زكي (دار “النهار”).

نزيه خاطر وجريدة “النهار” في مبناها القديم وشارع الحمراء، ثلاثي أثمر ناقداً فنياً، يصدر أحكاماً “قضائية” في الفن التشكيلي والمسرحي، فكثر أعداؤه، ووُجه نقده بالنقد وكيل الاتهامات. هذا الثلاثي جعله من ذاكرات بيروت الثقافية، بينه وبين كثيرين ما هو مشترك، لكن الفارق في لمحات خاصة أبرزها الكتاب.

جاء من رويسة النعمان مسافراً في الخيال حطّ على كرسي في مقهى في شارع الحمراء، حيث تكونت شخصية “منعزلة وكتومة” تتغلب عليها الطقوس إلى حد النزوة.

طقوسه اليومية وسطوره الفنية

شخصيات كنزيه خاطر تعيش أسيرة طقوسها التي تتشكّل رويداً منذ البدايات، بوعي أو عفو الخاطر، فتصبح هي الشخصية. بضع لمسات في الشكل او عبارات ينطق بها أو موقف يتمثله أو خطوات هي يومياته كأنه “روبوت”… وتصير العادة هي الشخص.

هذه مجتمعة، اضافة الى غيرها تصف رجلاً وتعبّر عن بنية نفسية – اجتماعية تتجاوز العادي والمألوف والمشترك بين الناس، الى حالات خاصة تطبع الشخصية بطابعها، وقد تختصر الشخص، فيصير الخاص جداً هو الشخصية عامة. كأن يقال: “لابس البيريه” أو غير ذلك.

كيف وُصفت شخصيّة خاطر في المقدّمة؟ “يدخل الرجل المعتمر “البيريه” الى المقهى يجلس على كرسيّه، بنبل وأناقة ورصانة. هادئ القسمات، وديع الابتسامة، متوعّد، واثق الحركات. ينظر من حوله من دون أن ينبِس ببنت شفة، كأنّه يريد أن يعلق حالة القلق، كأنّه يريد أن يباغت. يحضرون له فنجان قهوته بعناية، يفرغ فيه ظرف “الكاندريل” يحرّك السكر بهدوء مريب.

يخرج أوراقه السمراء وقلم الحبر الأسود، العنيد، الحرّ، ينحت كلماته، على قياس المعاني بالضبط، ينحتها بدقة، بإتقان. من ستكون الضحية التالية؟ من سيتربّع على عرش قلمه؟ بيروت بأسرها تنتظر نصّه: نصّاً إرهابيّاً، مستبدّاً، شرساً، نصّاً مرعباً، غير متحيِّز. النقاد يترقّبون لا يجرؤون بعد على الكتابة، والفنان ينتظر أن يصدر الحكم. “هذه الليلة لن يغمض له جفن”.

استهل خاطر حياته المهنيّة ناقداً فنيّاً في صحيفة “النهار” بعد أن كتب في صحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، وفي مجلة “النهار العربي والدولي” حيث كانت مقالاته تترجم الى العربية.

واشتغل في صحيفة “لوريان”، وأنشأ الصفحة الأدبية الأولى في صحيفة “لو سوار”، كما درّس اللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية في ثانوية رمل الظريف. وفي العام 1967 كتب أول مقال بالعربية بعدما أجبره والده على تعلّم القراءة والكتابة باللغة العربية، وكان والده أول قرّائه، وقد قال: “الآن بوسعي القول إنك ابني”.

يضيف خاطر: “لم أفكّر قط في الكتابة بالعربية، وكنت أول المتفاجئين بذلك. فاللغة التي برعت فيها منذ البداية ومدة طويلة كانت الفرنسية. اليوم أجمل الأشياء عندي هي المتعة التي أشعر بها لدى كتابة نصي لأنني أبدعه من لا شيء”.

كان لشوقي أبي شقرا دور بارز في تطويعك اللغة العربية وتحويلها لغة معاصرة، شجعك على كتابة مقالاتك بالعربية: “اكتب كما تتكلم”، فعملت بنصائحه وكان الانطباع الذي خلّفته لدى القراء للوهلة الأولى سلبياً. فأسلوبك كان مرفوضاً ولغتك تعدّ معقّدة بعض الشيء.

كيف صار ناقداً فنياً؟

التقيت رسّاماً كان محرّضاً للفنانين أكثر من كونه رساماً عظيماً هو نقولا النمار، رئيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، والأستاذ في “الألبا” ومدير معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. شيئاً فشيئاً دعاني إلى مرسمه. “كان هناك شخصان أو ثلاثة أشخاص أكبر منّي سناً بالطبع، لكنهم شخصيات مهمة.

أحسست بالارتياح وسطهم ولو كانوا يكبرونني سناً، كنت أتمتّع ذهنياً بالنضج الكافي لأكون من مستواهم، ومع نقولا النمار انغمست شيئاً فشيئاً في النقد الفني، لأنني كنت أكتب عن الرسم وأحلّله”. يقول: “انني نتاج تجربتي، ولذلك فأنا فريد من نوعي. لا أقول ذلك على سبيل التبجّح، بل لأنه لا يوجد ناقد فني آخر”.

لا يمكن اختصار مفاهيمه للنقد الفني ومجمل الكتاب يتحدث عنها بأشكال مختلفة، لكن يمكن إيراد بعض الأفكار التي تعبّر عن جوانب مختصرة: تساعدني مخيّلتي على تحويل أشياء أحادية الأبعاد أو ثنائية أو ثلاثية الى أشياء متعددة الأبعاد. أرتحل فيها مادياً، وأعتقد انني ناقد فني بسبب ذلك، وانني امتلك تلك القدرة المتعددة على مقاربة الأشياء بأساليب متعدّدة”. “ما يكتسب أهمية هو ذلك المضمون الانفعالي الذي تعكسه اللوحة في نفسك. ذلك هو النقد في نهاية المطاف”.

“اللوحة هي امرأة تستيقظ أمامك وتولّد في أعماقك دفقات من الأحاسيس، امرأة تلتهم الرجل، وليس الرجل هو الذي يلتهم اللوحة”. “انني اقيم مع الأعمال الفنية حواراً مفعماً بالحواس، ليس حسيّاً، بل حواسيّ”. إنه مزيج من الخيال والتبصّر والنظرة”. “العمل الفني شيء وكائن وامرأة وقصيدة وكل ذلك في آن واحد”.

طرافة المقابلة مع أراغون!

حكى أن المقابلة التي أجراها مع الشاعر الفرنسي لويس أراغون كانت وراء شهرته. والشهرة ليست في المقابلة، إنما في طرافة إجرائها، ذلك أنه مطلع السبعينات “جاء أراغون الى بيروت لحضور مهرجان بعلبك. كان جميع الصحافيين ينتظرونه في المطار طمعاً بإجراء مقابلة معه. لكن أراغون لم يرغب في لقاء الصحافيين، فأبعدتهم الشرطة لمواكبته الى سيارة أجرة تقلّه إلى بعلبك. وعندما ركب سيارة الأجرة شاهد شخصاً يجلس على المقعد إلى جانبه.

كان هذا الشخص هو أنت (نزيه) لم تقل له أنك صحافي. بدأت معه الحديث بعد أن ضغطت خفية على المسجّلة، وعندما اجتازت سيارة الأجرة نصف المسافة ووصل إلى شتورا، أردت أن تترجّل من السيارة. كان شريط التسجيل قد انتهى وتوافرت لديك مادة تكتب بها مقالك. تابع أراغون طريقه إلى بعلبك.

واتصلت بصحيفة “النهار” على الفور لإعلامها بأنك قد أجريت مقابلة مع أراغون وبأنها ستكون عنوان الصفحة الأولى. وفي اليوم التالي، عند صدور الصحيفة، فوجئ الجميع، لأن ما من صحافي نجح في إجراء مقابلة مع أراغون. وأعرب هو نفسه عن دهشته الشديدة لدى معرفته بأن مقابلة معه نشرت في الصحيفة. ولم يفهم كيف حصل ذلك. ولقد اتصلت به وقلت له إنك كنت الصحافي الذي رافقه في سيارة الأجرة”.

رحل كما جاء : لم يترك شيئاً

قارئ سيرة نزيه خاطر يتوقف، من بين آخرين، عند ريما النخل التي سمّاها ابنته والتي على مدى أربعة وعشرين عاماً كانت تهتم به “اهتماماً دؤوباً”. تجتاز كل صباح المسافة من جونيه الى الحمراء “تنظم حياتك، تدبر شؤون منزلك، ترسل مقالاتك الى صحيفة “النهار”، “تؤرشفها” تزور معرضاً فنياً بالنيابة عنك. ترتب كتبك ترمي القمامة بعد مرور احدى عشيقاتك، تخفي اكثر رسائلك وصورك خصوصية، تساعدك على التهرب من امرأة. تواجه الآخرين بدلاً منك…”.

هل صدمه طلاقه بعد زواجه لمدة ستة أشهر، فأثّر في شخصيته؟ يعتقد ابرهيم سلامة انك “خرجت منه بجرح عميق، شعرت بمرارة، أصبحت نكداً، تلفظ الناس بطريقة استفزازية، وانت لا تكاد تلقي عليهم التحيّة، لم تعد تفارق بيتك. كان ذلك الفشل بالنسبة اليك انذاراً خطراً، ولعله رسخ فرديتك ووحدتك.

قررت ألاّ ترتبط بعد اليوم، وألاّ تخوض هذه التجربة ثانية”. لكن شوقي أبي شقرا “كاتم أسرارك”، الذي يحترم شخصيتك ومزاجك يعتقد ان الطلاق “لم يؤثّر في شخصيتك، فزوجتك لا تتحمل كل اللوم في مسألة طلاقك”. موضوع الطلاق لم يكن مسألة كبيرة في حياتك إلاّ في حينه “كانت عبئاً ينوء على كاهله، وعندما طلّقها شعر كأنّه استرجع حريته”. كان طلاقاً مؤثراً في الطرفين من دون أن تعرف أسبابه، وربما غموضه زاد الخصومة والنفور، حتى انك قلت لعائلتك: “لا أريدكم أن تحدثوني عنها، لا أعرفها ولا تعرفني”.

كان يعتقد “ان العقاب الأساسي في الموت هو الصمت، تدخلين عالم الصمت وذلك هو الموت. يرحل الجسد، ينهار، ويبقى الصمت، ويتملكني الفضول لاختباره”. لكنه كان يفضل إبقاء أبواب الموت مغلقة. موت أمك جعل فرنسوا عقل “يكتشف فيك وجهاً آخر، وجه رجل يبكي، يتفجّع لأمه، ويسير وسط أهالي الضيعة”، بين أهله يُكشف المرء.

لعل للصمت دوراً صارخاً في حياته، إذ يقول إن ناس الضيعة يصنعون بيتهم، بأنه “بيت الصمت”. لكنه صمت الأحياء وليس صمت اللحد.
هل آمن نزيه بالتقمص؟ ارتجى أن يكون صحيحاً. “من المجحف أن يعيش المرء حياة واحدة فقط! يجب أن تكون هناك حيوات عدّة، وأن يحيا المرء مرّات عدّة في أماكن مختلفة”. كان يحدّث عن انه يزور أماكن يفترض أنه سبق أن عرفها!

رحل نزيه كما جاء. “لم يترك شيئاً: لا أسرة، ولا أولاد، ولا كتب. جاء عارياً ورحل عارياً. تخلّى عن كل شيء وبعثر كل شيء. لم يجمع شيئاً. وفي هذا المعنى كان مخلصاً للمسرح. فحالما يسدل الستار تمضي المسرحية، تحملها الريح، وهو مثلها: حملته الريح”.

التعليقات مغلقة.