العروس عادت جثة والسرطان يتفشى : قصص مأساوية مع الليطاني

200

لم يكن قد مضى على وصول تلك العروس الصبية القادمة من بلدة تمنين التحتا في البقاع إلى إحدى الولايات الأميركية كثير من الوقت، حتى أصيبت بسرطان الثدي.

استدعى الطبيب المعالج زوجها وأحد أقاربها المقيم في أميركا وسألهما عن المنطقة اللبنانية التي أتت منها مريضته. قالوا له “تمنين التحتا في البقاع”. لحظات وأخرج الطبيب الأميركي رسماً بيانياً يبيّن مسار نهر الليطاني من العلاق، غرب بعلبك، إلى سد القرعون في البقاع الغربي. الرسم ملون بالأحمر، وقال الطبيب: “هذا مجرى نهر الليطاني الملوث في البقاع، وناس القرى الواقعة في حوضه هم عرضة لأمراض شتى أبرزها السرطان”.

يومها، أبلغهم أن إصابة ابنة تمنين التحتا قاتلة “المرض في مراحله المتقدمة، وسببه التلوث العالي على أنواعه”. بعد فترة قصيرة على اكتشاف مرضها، عادت ابنة تمنين جثة هامدة، عروس لم تكمل سنوات زواجها الأولى.

يقول مختار تمنين التحتا جواد الخطيب إن السرطان هو سبب الوفيات الأول في البلدة. هنا تتسابق حوش الرافقة مع جارتها تمنين التحتا على من منهما تحتل المركز الأول للوفيات والمرض بالسرطان.

ما يقوله المختار يثبته رئيس الهيئة الصحية اللبنانية الدكتور إسماعيل سكرية الذي يقود دراسة تمتد على سنوات بالشراكة مع الجامعتين الأميركية واللبنانية حول علاقة التلوث بارتفاع نسبة مرض السرطان في قرى حوض الليطاني.

ومن النتائج الأولية التي برزت بعد عام ونصف على بدء العمل “احتلال سرطان المعدة والثدي والرئة والبروستات والمبولة المعدلات الأولى للإصابة بالسرطان في تمنين التحتا”. يؤكد سكرية |أن سرطان المعدة يحتل 25 في المئة من الإصابات السرطانية في تمنين التحتا، وسببه المبيدات الزراعية والري بمياه الصرف الصحي الكيميائي الآتي من المنازل والمستشفيات والمعامل الصناعية”.

شقيق المختار نفسه لم يصمد أمام سرطان الرئة أكثر من شهر ويومين بعد اكتشاف إصابته بالمرض. قبل أيام فقط دفنت البلدة امرأة لم تكمل أربعينها، قتلها السرطان ايضاً، فيما هناك شابان في الثلاثين والأربعين من عمرهما يحتضران بسبب السرطان. يؤكد المختار أن سبعين في المئة من الوفيات في البلدة هي بسبب السرطان.

حال البلدة مع السرطان استجد في أواخر التسعينيات وأوائل الألفين بعدما وصلت مجارير الصرف الصحي المنزلي والصناعي من كل القرى المجاورة، بما فيه بلدته إلى قلب الليطاني الذي يشق أراضي تمنين التحتا.

من تمنين الفوقا التي تقع في أعالى شقيقتها التحتا ومعها قصرنبا المتمركزة في سلسلة جبال لبنان الغربية فوق “التمنينين”، تجري النفايات الصناعية لأكثر من ثلاثين معملا ومؤسسة صناعية ومعها المياه الآسنة للبلدتين عابرة أراضي تمنين التحتا في طريقها إلى الليطاني.

قاتل أهالي البلدة سنوات عدة حتى تم تصريف هذه النفايات السائلة في قنوات مقفلة وليس في مجرى مفتوح كما كانت عليه. يومها لم يكن أحد من الأهالي قادراً على فتح نافذته وكانت كل البلدة تغرق بالروائح والقوارض والحشرات.

منذ العام 2000 بدأ الأهالي يبحثون عن مكان يهربون إليه بعيداً عن النهر بعدما كانت تدفع المبالغ الطائلة لشراء أراض بمحاذاة ضفتيه.

الراوئح تجتاح البلدة إلى الطريق العام، خاصة عندما يشتد قيظ الصيف ويجف كل مصدر يغذي الليطاني بالماء غير مياه المجارير والنفايات الصناعية. ضربت مواسمهم الزراعية ولم يعد أحد منهم يصرف إنتاجا مرويا من النهر، فيما التفتوا إلى حفر الآبار الارتوازية لري مزروعات لكي تعينهم على الضيق الاقتصادي الذي سببه تلوث الليطاني.

“كان يا ما كان” هو لسان المسنين في تمنين التحتا وأبلح وجارتيهما رياق وتل عمارة في الحديث عن الليطاني. تقول فتحية مرتضى، المرأة السبعينية، إنها غسلت صوف “جهاز” عرسها على نهر الليطاني، حتى أن صديقات شبابها أقمن لها حفل حنائها كعروس على ضفته أيضاً. يومها كان الناس يشربون من النهر ويستحمون على ضفافه.

اليوم يقول المختار الخطيب ان من يسكنون بالقرب من النهر وحتى على بعد مئتي متر لا يتحملون الذباب والبعوض والروائح. هبط سعر الأرض من مئة دولار للمتر الواحد إلى خمسة دولارات “ولا من يشتري”. يؤكد المختار أن البعض عرض عليه قبل 17 سنة عشرين دولاراً ثمناً للمتر ولم يبع أرضه بمحاذاة النهر، واليوم لم يعد أحد يسأل أو يدفع حتى خمسة دولارات.

بعدما كان الليطاني متنزهاً يقصده أبناء بيروت والبقاع الشمالي وشمال لبنان وجبل لبنان، صار أهالي تمنين التحتا يقودون سياراتهم لأكثر من ساعتين إلى العاصي في الهرمل أو بسري في الجنوب ليتمتعوا بجلسة سمر وشواء على ضفاف النهرين. حتى ان مختار تمنين حمل عائلته إلى قعقعية الجسر في رحلة إلى ليطاني الجنوب ظنا منه أن التلوث الذي قتل ليطاني البقاع لم يصل إلى هناك.

يقول أبو فوزي، ابن رياق، ان رحلات المدرسة كانت إلى نهر الليطاني، وان سكان البلدة كانوا يحسدون القرى التي تقع على ضفافه. اليوم يحمد البعيدون عن النهر نعمة نجاتهم من أمراضه وروائحه ونفاياته”.

سعدى علوه

المقالات والآراء المنشورة في الموقع والتعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي بأسماء أصحـابها أو بأسماء مستعـارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي للموقع، بل تمثل وجهة نظر كاتبها، والموقع غير مسؤول ولا يتحمل تبعات ما يكتب فيه من مواضيع أو تعليقات ويتحمل الكاتب كافة المسؤوليات التي تنتج عن ذلك.

التعليقات مغلقة.