المحكمة الجنائية الدولية : الجرائم ضد البيئة هي جرائم ضد الإنسانية

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في 16 سبتمبر من العام الجاري خبرا جديدا لم نعهده من قبل من هذه المحكمة، ولم يقع ضمن دائرة اهتمامها، وليس له علاقة مباشرة بأهداف إنشائها، ويتلخص الخبر في أن المحكمة قد وسَّعَتْ من دائرة اهتماماتها واختصاصاتها، فهي منذ اليوم ستعطي اهتمامًا خاصًا لملاحقة ومتابعة الجرائم المتعلقة بتدمير البيئة.

وبناءً على هذا الخبر طرحنا بعض التساءلات في لقاء خاص بـ ( رادبو صور ) على ابرز المحامين الناشطين في المجتمع المدني حول تدمير البيئة ومكوناتها الحية وغير الحية من ماء وهواء وتربة ومحيطات وأنهار وبحار ومياه جوفية وقتل الحياة الفطرية من نباتات وحيوانات، هل تُعد من ( الجرائم ) وهل ترقى إلى الجرائم الدولية كجرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الإبادة الجماعية ؟

وهل الجرائم البيئية التي يرتكبها الأفراد، أو الشركات، أو الدول يمكن أن تقع ضمن دائرة اختصاصات وأهداف إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست عام 2002 كأول محكمة دولية قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب ؟ وهل يحق لهذه المحكمة التحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي تلحق يوميًّا بمكونات بيئتنا ؟

المحامي عباس سرور

لكي أجيب عن هذا السؤال أَرجِع إلى تعريف وتصنيفات الجرائم الدولية بحسب القوانين الدولية، حيث إن الجرائم الدولية، وبالتحديد الجريمة ضد الإنسانية تعني أي فعل من الأفعال المحظورة والمـُحَددة في نظام روما متى ارتكبت في وقت الحرب أو السلام، وفي إطار هجوم واسع النطاق، أو منهجي مُوجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وتتضمن مثل هذه الأفعال القتل العَمْد، والإبادة الجماعية، والاغتصاب، والعبودية الجنسية، والإبعاد أو النقل والتهجير القسري للسكان، وجريمةِ التفرقة العنصرية وغيرها.

واستنادًا إلى هذا التعريف المتعلق بالجرائم الدولية وأنواعها، والتي من ضمنها ( القتل العَمْد )، أُقدم لكم مثالاً صارخًا لجريمة بيئية تُرتكب في كل ساعة في حق البيئة والإنسانية منذ أكثر من سبعين عامًا ولم يتحرك أحد لمحاسبة الجناة والمذنبين، وهو تلوث الهواء بأنواعه وأشكاله وأسمائه المختلفة وانعكاساته المشهودة على صحة البيئة وأمن الإنسان في كل أرجاء المعمورة.

وقد اعترفت شركات المحارق العشوائية بهذه الحقائق التي تم اكتشافها بعد عقود طويلة من نشر السم في شرايين البيئة وجسم الإنسانية، أي أنها اعترفت بجريمتها الشنعاء المتعلقة بالقتل العمد حتى يومنا هذا للملايين من الناس في كل أنحاء العالم، فهل ستتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة مستوردي المحارق المسرطنة مرتكبي هذه الجريمة البيئية الصحية ضد الإنسانية ؟

لذلك يعتبر هذا التطور في السياسة واعداً لمؤسسة يتم انتقادها في بعض الأحيان، لتقدمها البطيء في تقرير الإدانات. حيث استحق هذا التطور الكثير من الإطراء، ومن بين تلك الإطراءات للمحكمة الجنائية الدولية، هو ما قاله جيليان كالدويل المدير التنفيذي لمنظمة جلوبال ويتنس، حيث وصف تلك السياسة في بيان له بأنها “رسالة قوية أن يتم الاعتراف بالآثار السيئة لتدمير البيئة على أعلى مستوى”.

وهنا يأتي الجواب ( نعم ) يحق للمحكمة الجنائية الدولية ان تلاحق كل مرتكب لجرم يتصف بالـ ( القتل العَمْد ) جراء المخالفات البيئية خصوصاً تلك التي نشهدها في لبنان.

المحامي حسن بزي

الوضع المثالي هو أن يُقدَّم مرتكبو الجرائم للمحاكمة أمام محاكم بلدانهم نفسها كما فعلنا الاسبوع الماضي بخصوص الطمر العشوائي علي شاطئي الكوستا برافا والكرنتينا، فمن الأيسر إثبات وقوع الجرائم في البلد الذي ارتكبت فيه، حيث يوجد الضحايا والشهود والشركاء والأدلة، كما أن العدالة التي تأخذ مجراها في البلد نفسه تتيح للضحايا النهوض بأكبر دور ممكن، وربما كانت لها أكبر دلالة لهم. فإذا كان المتهم بارتكاب الجريمة يقيم بالفعل خارج البلد، فيمكن التقدم بطلب تسليمه إليها.

اما بما يختص بموضوع المحارق المسرطنة فلا نخفي سراً بأن الملف اصبح شبه مكتمل وسيقدم وبالأسماء لمحاكمة المتورطين دولياً وذلك يطال المستورد للمحرقة في لبنان والمصدر من الخارج وهنا بالتحديد تقع صلاحية المحاكم الدولية في محاسبة المصدرين السابقين والمستوردين المحتملين ايضاً.

ولكنه لما كانت أوسع الانتهاكات البيئية نطاقاً قد ارتكبت باسم الدولة، فمن المستبعد، دون حدوث تغيير سياسي شامل، أن تتمتع محاكم الدولة اللبنانبة بالقدرة أو أن يتاح لها المجال السياسي اللازم لإجراء تلك المحاكمات.

بل إننا سوف نشهد في حالات كثيرة صدور مراسيم العفو العام التي ترمي إلى عرقلة أو حظر المحاكمات. وذلك هو ما حدث في بعض البلدان الأخرى مثل البرازيل وغواتيمالا والسلفادور وسيراليون وأوروغواي.

لذلك سنضم كافة الملفات القضائية الجديدة منها والمقدمة للقضاء اللبناني، للتوجه دولياً حيث اصبحت صلاحياتنا في ملاحقة هؤلاء اوسع بعدما أعلنت المحكمة الجنائية الدولية ICC أنها ستبدأ معاملة الجرائم التي تؤدي إلى تدمير البيئة، على أنها جرائم ضد الإنسانية.

التعليقات مغلقة.