المسألة الشيعية : طبخة من جهنم

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

من يعتقد أن اللغم المزروع بين 13 و 31 تشرين (الأول) هو لغم عوني، يكون كمن يستعرض حركة أسعار المعادن في البورصة العالمية، وهو في صدد شراء نصف أوقية من المسامير.. فالعقدة هنا لا عونية ولا مسيحية بل.. شيعية. والجميع في ترقّب محير.

العونيون من جهتهم أمضوا ساعات “الويك إند” حارة على مشارف قصر بعبدا. تلك كانت أقصر مسافة من الكرسي أمكنهم بلوغها. الخطوات المعدودة التي ظلّت تفصلهم عن مقر السلطة الأولى، لا تقع في ميزان الجغرافيا الطبيعية. فلو كانت الرئاسة في البلد تخضع لموازين الزحف الشعبي والتظاهرات الاحتفالية، لكان ميشال عون رئيساً من دون منافس. أما والأمر يرتهن لنوع عسير من الجغرافيا السياسية في بلد زلزالي مترجرج على فوالق لا يُستهان بخطورتها من نوع نبيه بري ووليد جنبلاط، فالرئاسة لا بد أن يتداولها كبار ملوك الجان، مستفيدين من الدوران الحريري الحائر والمُحيِّر، ليس بحثاً عن توافق ما، بل تنقيباً عن دور لم يبقَ منه سوى ما يتبقّى في منجم مهجور.

مشكلة لبنان تقع في أحد منعطفات هذا المشهد، والصعود الشيعي فيه بات مثابة بطاقة متجددة على متن رحلة منازعات مُستدامة. وجاء ترشيح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، والطريقة التي جرى ويتواصل تقديمه فيها (على طريقة هو أو لا أحد)، وسيلة فاعلة لاستدامة النزاع وتسعيره، ولاسيما أن الصعود الشيعي في الداخل اللبناني جرى على حساب توازنات كانت قائمة فيه ومستقرة “على قرن ثور” تبحث عن أيّ هبّة ريح لتتناثر مشاحنات ومشاكل وحتى “حروب” أهلية شكّلت في مجموعها الفصل الأبرز من تاريخ هذا البلد الذي يواصل إقامته في مقصورة “قيد التشكيل”.

من هذه الزاوية تظهر الأزمة اللبنانية على حقيقتها، ليس كونها أزمة حُكم، وهي ليست كذلك، بل من حيث أنها أزمة دولة لم تقم يوماً في بلد يتغاوى بأقدمية استقلاله، وهو الذي ما استقل لحظة واحدة… وقد بلغ نقطة اللاعودة بعد أن انتفخت فيه عضلات البعض من هنا ورؤوس البعض الآخر من هناك، فبات المسرح جاهزاً لاستعادة.. “دقّ المَيّ”.

وما يزيد الطين بلّة حالة نفاذ صبر في أوساط عونية وازنة “لم تعد تصدّق”. صحيح أن العونيين “متوترون أساساً وعصبيون”، كما يصفهم أخصامهم وأصدقاؤهم على حد السواء، لكن القيادة كانت غالباً أكثر هدوءاً وأطول بالاً. إلّا أنّ عدوى الضيق والتبرّم بلغت مؤخراً أوساطاً عونية قيادية باتت في المدة الأخير تُبدي عدم ثقة بالحلفاء، والإشارة إلى الحليف الأساسي الأول حزب الله. فتسويق الدكتور سمير جعجع وجهة نظره القائلة إن الحزب لا يريد ميشال عون رئيساً، لم تعد تتلاشى في فراغ الأمكنة، ومواقف رئيس المجلس النيابي “العدوانية” ضد الجنرال، لم تعد تمرّ بيسر وسهولة على مسامع القيادات العونية المحيطة بالجنرال، وتواصل هجمة النائب سليمان فرنجية الاستفزازية لم تترك للصلح مطرحاً. والحزب هو المسؤول كما يرشح من أوساط الجنرال. ليس أن هناك قناعة تنشأ بتخوين الحزب، بل على الأقل، هناك شكوك تتراكم بخصوص صدقية الحزب في ظل عدم توافق تصريحاته الوردية مع مواقفه العملية “غير المُنتجة” على طريقة المثل المصري “أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أتعجّب”. وترتفع حرارة رؤوس هؤلاء البعض في محيط عون القريب، على خلفية أن عامل الوقت لا يصب في مصلحة الجنرال، حتى أن بينهم من بات ينظر بعين ريبة (غير معلنة بعد) إلى احتمال وجود توافق ما بين الحريري وبري في لعبة “عصا وجزرة” تتواصل فصولاً، والأنكى: بين بري ونصرالله.

ولكي لا نمضي مع الماضين في التغذّي على المخيلة، يمكننا الاعتقاد بأن حزب الله لا ينوي أن يدفع عملياً بعون إلى كرسي بعبدا إلا بعد أن “يستعيده” من اتفاقه مع القوات اللبنانية. والحريري من جهته، لن يُسمّي ميشال عون قبل أن يستعيده من حزب الله. وعلى وقع هذين النفيين لن تقوم قائمة لأحد.

وطالما لم يتم انضاج لقاء يجمع بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والعماد ميشال عون برعاية الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لحلحلة الأمور المعقدة حول الملف الرئاسي، فالأفق يعد بلعبة جهنّمية باهرة: يُسمي الحريري عون، ينزل الكل إلى البرلمان. يُصوّت الحريري فعلاً لعون ومعه عدد من نوّاب الكتلة، بينما يُصوِّت الباقون لفرنجية. وتُضاف إليهم أصوات نواب كتلة بري بما فيهم نواب القومي والبعث. ويهب معهم بطرس حرب وأشباهه من المعترضين على عون ممن يسمّون أنفسهم بالمستقلين. وتصبح النتيجة واضحة: مبروك للرئيس سليمان طوني فرنجية. يفقد العونيون اتزاناً عاشوا دائماً على حافته. يصيح قائلهم: خاننا حزب الله. يمسك جعجع بالناصية. ينكسر الدفّ بين الحزب والتيار البرتقالي. يعود البلد إلى مربع لم يكن واضحاً كفاية من قبل. الجميع ضد حزب الله: المستقبل، القوّات، الكتائب، بقية المسيحيين بمن فيهم جمهور عوني غاضب. والحزب غارق في الساحات السورية.

محمود بري

التعليقات مغلقة.