هل سيصدح صوته مجدّدًا في أرجاء لبنان بعد مرور 120 سنة ؟

سكك الحديد

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

لم يسبق لي أن شاهدت قطارًا يسير في لبنان طوال سنين حياتي. أسمعهم يتحدّثون عن ذلك الزمن الجميل الذي انتهت فصوله الأخيرة عام 1997. ورغم انطواء الصفحة، الّا أن الذكرى لا تزال تحضر اليوم. يعبّر عنها صدى الصافرة التي لطالما تراقص في الآذان ورسم مخيّلات في الأذهان. لعلّ سكك الحديد جزءٌ لا يتجزّء من الذاكرة اللبنانيّة منذ 120 سنة. المحطّات العتيقة باتت عبارةً عن إرثٍ صناعيّ، والسكك الحديد التي تغازل، في ما تبقّى منها، مياه #الشاطئ_اللبناني من بعيد، وتتسلّق جبله وتستقيم في سهله. كلّها تجتمع إلى جانب القطارات البولونيّة التي لا تزال صالحةً للعمل حتّى اليوم. إلا أن الشروع في قرار تنفيذ إعادة أحياء السكك الحديد لم يتبلور حتّى اللحظة. وهو في حال نفّذ، سيشكّل بشرةً سارّة يتلقّفها اللبنانيّون بأملٍ، وحول أصعدة عدّة: “الاقتصاد والسياحة والصحّة والثّقافة”. في المنطق العام لقوّة الدولة ونعافيها، يقال إن بلداً لا تتوافر فيه سكك الحديد كجزءٍ من البنى التحتيّة هو بلدٌ ضعيف البنية. فهل سيصدح صوت القطار مجدّدًا في أرجاء لبنان بعد مرور 120 سنة على إطلاقه صافرته الأولى في بلد الأرز؟

محطّاتٌ لبنانيّة في محطّة القطار
كانت الانطلاقة عام 1895، يوم صدح صوت صافرة #القطار لأول مرّة في لبنان. وقد مدّت خطوط #سكك_الحديد آنذاك بين بيروت والشام في ظروفٍ صعبة عام 1893، مع غياب آليات النقل والإستصلاح الحديثة في تلك الحقبة. وعمد الحلفاء خلال الحرب العالميّة الثانيّة الى تنفيذ مشروع استصلاحٍ جديد، حيث مدّت سكك الحديد بين بيروت وطرابلس وحيفا، واعتبر ذلك العمل أهمّ إنجاز هندسي تبلور في أقل من سنةٍ واحدة في زمن النزاعات العالميّة. واستمرت الصافرة تعلن وصول القطار الى محطّات الانتظار اللبنانيّة، في ظلّ إدارة شركةٍ فرنسيّة – بريطانيّة للقطاع. وفي عام 1960، باتت الدولة اللبنانيّة مسؤولةً عن قطاع سكك الحديد، وبادرت الى إدارته عوضًا من الشركة الأوروبيّة. وفي العام 1964، بادرت الإدارة الجديدة إلى وقف العمل بترامواي بيروت، في حين تدخّلت نقابة سكك الحديد لحماية قطاعها، بعدما أشار البعض الى رغبة الدولة في ايقاف العمل فيه أيضًا. وفي عام 1975، بات القطاع يعمل بشكلٍ متقطّع وفي مناطق معيّنة دون سواها، مع اندلاع شرارة الحرب اللبنانيّة. وفي 1982، أعيد تسيير القطار اللبنانيّ في مناطق إضافيّة. وبعد انتهاء الحرب، شهد القطاع ازدهارًا بين عاميّ 1992 و1997، في إطار ما يسمّى بقطار السلام. وفي 1997، خفتت صافرة القطار نهائيًّا، وأوقف العمل في القطاع منذ ذلك الحين.

أهميّة سياحيّة واجتماعيّة واقتصاديّة
على رغم المساعي الحثيثة الهادفة الى إعادة إحيائه، إلّا أن أكثر من 18 سنة مضت على إيقاف العمل في قطاع سكك الحديد، من دون اللجوء الى حلٍّ جذري. “فما هي الأسباب التي تعرقل العودة الى حقبة النقل السريع من طريق محطّات القطار في لبنان؟” سؤالٌ طرحناه على رئيس وعضو مؤسّس في جمعيّة train train في لبنان، الأستاذ الياس معلوف الذي يعتبر أن “#الدولة_اللبنانيّة هي المسؤولة الرئيسيّة عن عرقلة إعادة إحياء هذا القطاع، في ظلّ عدم رغبة المسؤولين في عودته نظرًا إلى عدم إمكان التوصّل الى قرار توافقيّ من جهة، وتعارض هذا المشروع مع مصالحهم الخاصّة في ظلّ سيطرتهم في مجالات استيراد المحروقات والسيارات والإسفلت”.

وعن الإيجابيّات التي يحملها مشروع إعادة تسيير القطار في لبنان، يقول: “السكك الحديد تشكّل المرفق الأساسي التي تقوم عليه البنى التحتيّة في مختلف بلدان العالم المتطوّرة منها والنامية. وهي تساهم في حلّ أزمة السير من خلال اعتمادها وسيلة نقلٍ سريعة لتسهيل الحياة المهنيّة، مع إمكان تسيير #قطارٍ واحد كلّ دقيقة بمجموع 500 قطار يوميًّا”. وعن تأثير ركود القطاع على القطاع السياحيّ، يعتبر أن “العامل الأول الذي يعوّل عليه السائح هو وسائل النقل السريع، في ظلّ عدم امتلاكهم سيّارات خاصة وعدم خبرتهم في المناطق اللبنانيّة، إضافةً الى القيمة الكبيرة التي تتمتّع بها محطّات القطار من الناحيّة الأثريّة”. وفي إطار عرضه للأهميّة السياحيّة والأثريّة التي تتمتّع بها القطارات في لبنان، يشير الى “زيارة خاصّة قام بها باحثون ومهندسون بولونيون الى لبنان بهدف استطلاع القطارات القديمة، البولونيّة المنشأ، التي كانت تسير في لبنان في الحقبة الماضية، وهي لا تزال صالحة للعمل حتّى اليوم. وفي معرض استطلاعهم للقطارات، قالوا إنها بحال جيّدة”.

مليون دولار للكيلومتر الواحد
“ماهي الكلفة التقريبيّة لإعادة إحياء مشروع سكك الحديد في لبنان؟” يجيب معلوف أن “كلفة شقّ خطوط الطرقات المعدّة للسيارات أعلى بكثير، في حين لا تتعدّى كلفة استصلاح مشروع سكك الحديد مليون دولار للكيلومتر المربّع الواحد. إلّا أن المسؤولين ينفقون الأموال العامة بطريقةٍ عشوائيّةٍ غير إنمائيّة، على رغم رغبة البنك الأوروبي قي تمويل كلفة نصف المشروع على خطّ طرابلس – بيروت، بيد أن الدولة لم تتلقّف هذه المبادرة جديًّا”. وحول استمرار موظّفي سكك الحديد في وظائفهم حتّى اليوم، يعتبر أن “الموظّف في هذا القطاع هو الضحيّة الأولى للإيقاف القسري للقطارات، نظرًا إلى انعدام إنتاجيّتهم مما يؤثّر في طموحهم الوظيفي، في حين أنهم كانوا قد اندفعوا سابقًا لتولّي وظيفة دولة، الّا أن مسؤولية الركود لا تقع على عاتقهم رغم وضعهم في الواجهة. وتقتصر مهماتهم اليوم على حراسة الأراضي الخاصّة بسكك الحديد”.

“عالسّكّة يا تران”
في إطار المضيّ في إعادة إحياء الذاكرة اللبنانيّة حول قطاع النقل السريع، وبالتعاون مع وزارة الأشغال العامّة والنقل، أطلقت المنتجة والمخرجة اللبنانيّة الدكتورة زينة حدّاد فيلمًا وثائقيًّا بعنوان “عالسكّة يا تران” في أيّار المنصرم، بعد مرور 5 سنوات من العمل المتواصل، وكانت قد موّلته على حسابها الخاص. وكان لتجربتها في هذا السياق حكايا كثيرة، ربطت الماضي بالحاضر من طريق ما تبقّى من إرث صناعي على الأراضي اللبنانيّة الساحليّة منها والجبليّة. “بحسب خبرتك في هذا المجال، كيف تصفين واقع الإرث الصناعي الخاص بقطاع سكك الحديد عام 2015؟” تجيب: “أكثريّة محطّات القطار لا تزال موجودة، حيث يفوق عددها الـ25 محّطة، أهمّها محطّة رياق التي تربط بيروت بالشام وحمص، ومحطّة طرابلس التي تعتبر من أبرزها، ومحطتا مار مخايل بالقرب من مرفأ بيروت، وسنّ الفيل في ما يعرف بمحطّة الناقورة – بيروت – طرابلس”.

وعن واقع سكك الحديد بعد الحديث عن سرقة بعضها، تقول: “جزء من السكّك لم يعد موجودًا، والواقع يختلف بين منطقة وأخرى. فعلى امتداد الساحل الجنوبي لم يتبقَّ سوى السكّة الموجودة في محطّة مدفنة بالقرب من صور، حيث تقطن امرأتان في مقتبل العمر وقامتا بحمايتها من السرقة. أما الساحل الشمالي، فمعظم السكك موجودة، نتيجة تشغيل القطار على ذلك الخطّ في العهد الجديد. وفي البقاع، يتفاوت وجود السكك بين منطقة وأخرى”.

“هل تؤيّدين فكرة إقامة الملاهي الليليّة والمطاعم على #السكك_الحديد كما يحصل اليوم في عدد من المناطق اللبنانيّة؟”. تقول: “تتخّذ هذه الأعمال منحًى تجاريًّا. أما إذا كان الهدف منها تسليط الضوء على الإرث الصناعي، فهذا العمل يؤدّي الى تشويه هذا الإرث وليس العكس. كما أن إقامة المشاريع السياحيّة على امتداد الساحل، قطع مسار الوجهة التي كان يسلكها القطار”. وعن توقّعاتها العلميّة حول إعادة العمل بالقطار مجدّدًا في لبنان، لا تخفي حدّاد “تأثير القرار السياسي على المضيّ في هذا المشروع، الّا أنه سهل التنفيذ في ظلّ وعي الرأي العام اللبناني حول ضرورة عودته، ومن المرجّح الشروع في خطواتٍ تنفيذيّة له في السنتين المقبلتين”.

بين المحافظة على الإرث وإحيائه
في الإطار نفسه، يشير مستشار وزير الثقافة، الدكتور أسعد سيف لـ “النهار” الى أن “أهميّة التراث الصناعي تكمن في أنه يحكي تاريخ حقبة تطوّر البلدان صناعيًّا في مرحلة الثورة الصناعيّة، وهو معيار أساسي لتطوّر البلدان اقتصاديًّا. في حين أن الإنشاءات #الصناعيّة_اللبنانيّة نتجت من تفكيرٍ متطوّر صناعيًّا ويجب المحافظة على نتاجها العلمي”. ويلفت الى أن “العديد من القطارات القديمة يمكن الشروع في إعادة استخدامها إذا كانت في صورة جيّدة”.
وعن إمكان وجود إرادة حقيقيّة في إعادة العمل بالقطار اليوم، يشير الى أن “هذا الموضوع ليس مطروحاً في هذه الفترة، بل يعتبر اهتمامًا ثانويًّا. وثمة إشكاليّات حول الأرضيّة التي ممكن للمشروع أن يسلكها في حال نفّذ، كما أنه يحتاج قبل كلّ شيء الى إرادة حقيقيّة في التنفيذ، التي لا تعتبر موجودة في هذه المرحلة”.

الجمعيّات الأهليّة وعلى رأسها جمعيّة train train وخبراء الآثار والناشطون في مجال الثقافة والإخراج، جميعهم توحّدوا بهدف تحقيق الغاية المنشودة: “إعادة إحياء سكك الحديد في لبنان”. وما أجمل أن ينضمّ رأيٌ عامٌ فعّال إلى صفوف الداعمين! بانتظار عودة صافرة القطار مجدّدًا، يسود انتظارٌ على شاكلة أمل. عسى أن تغدو تلك المحطّة، محطّةً جميلة في وطنٍ اشتاق إلى تحطيم سجلّ محطّاته الخائبة. لأن الذكرى لا تعيش في منطق التذكار، بل تحتاج دومًا الى إعادة إحياءٍ، يحوّلها حقيقة.

 

التعليقات مغلقة.