ما هي المعوقات العقائدية التي تمنع الشيعة من الإنخراط في الدولة الحديثة

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

في الجزء الثاني من المحاضرة التي ألقاها الدكتور وجيه قانصو خلال مداخلته في الندوة التي نظمتها مجلة “شؤون جنوبية” في منتدى صور الثقافي والتي كانت تحت عنوان “دور الشيعة في بناء مستقبل الدولة” تحدّث قانصو عن المانع العقائدي للشيعة في الانخراط في الدولة الحديثة، ومعوقات موضوعية راهنة.

الثاني: هل هنالك مانع عقائدي يمنع الشيعة من الإنخراط في الدولة الحديثة؟
لا بدّ من القول هنا أنّ الموقف الديني من السياسة، في المجال الإسلامي وغيره، لا يؤسس للسياسة، وليس لديه منظومة جاهزة، بل غايته تحديد الموقف من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة، أي إن الموقف الديني لاحق على المتغير السياسي وليس من شيء أو مكون له.

هذا الأمر لمسناه في طروء مفهوم الخلافة بعد النبي للتعامل مع الواقع الجديد، وفي نشوء مفهوم سلطة المتغلب بعدما أصبحت قوة السيف وسيلة تداول السلطة وممارستها. ولمسناه في موقف التقية الذي اعتمده أئمة أهل البيت كوسيلة تجمع بين رفض السلطة المستبدة الحاكمة وعدم الاعتراف بمشروعيتها من جهة، وعدم التعرض لأذاها وملاحقتها من جهة أخرى.

“الغيبة” والسلطة الدينية
وقد فرضت الغيبة، سلوكاً سياسياً جديداً لدى الشيعة، وهو عدم اعتبار السلطة من مختصات المؤسسة الدينية، أو من شؤون الفقيه، بل أصبح شأناً موضوعياً لا بد من جماعة الشيعة التعامل معه كأمر واقع، مع قطع النظر عن مشروعية هذه السلطة. وقد تبلور في زمن لاحق مقولة “الشرعيات للفقيه والعرفيات للسلطان” وهو تمييز لا يقوم على الفصل النظري بين الشريعة والسلطة، بقدر ما يهدف إلى حصر مهام الفقيه وتحديد دائرة عمله بحيث لا تتعارض مع دور السلطة. بهذا المعنى أقصى الفقيه نفسه من دائرة الشأن العام، وقصر دوره على الفتوى ومعالجة الأمور الحسبية التي كانت السلطات حينها تهملها، مثل رعاية اليتيم القاصر.

هذا السلوك سهل على الشيعة تفاعلهم مع محيطهم الاجتماعي الذي يتواجدون فيه، وأصبحوا جزءا عضوياً داخل أي كيان وطني أو هوية ثقافية جديدة. صحيح أن فكرة الإمامة ظلت تعتبر أن السلطة من شؤون الإمام المعصوم حتى لو كان غائباً، وليس من شؤون أو حق أي طرف آخر بمن فيه المجتمع. إلاّ أنّ هذا الفهم من متفرعات التصور القروسطي عن السلطة السياسية الذي يعتبرها أمراً غيبياً، وتقوم على الحق الممنوح من الله للذين يمارسون السلطة. وهو فهم لا يقتصر على الشيعة، بل كان بمثابة القاعدة والاصل لكل حكم سياسي، يرى أن إرادة الله كانت وراء هذا الحكم إما تصريحاً كما في مقولة التنصيب بالنص، أو ضمنياً عبر اعتبار مسار الحكم ومجرياته قدراً إلهياً.

مهما يكن من أمر، فإن غيبة إمام الشيعة، وعدم إمكان وصوله للسلطة، فرض على الشيعة بلورة تصورات لسد هذه الثغرة في حياتهم، ودفعهم باتجاه اعتبار السلطة من الضرورات التي لا يستقيم من دونها أمر أي مجتمع من المجتمعات، وفق قول الإمام علي: “لا بدّ للناس من أمير بر أو فاجر”. فغياب الشرعية الضرورية الممثلة بالإمام العائب، تفرض اللجوء إلى الضرورة العقلية الحاكمة بضرورة إقامة الحكم السياسي لانتظام المجتمع. ما يجعل أساس المشروعية السياسية في غيبة الإمام “المعصوم”، هو تواضع الناس وتوافقهم، أي مشروعية مجتمعية تقررها إرادة أفراد المجتمع، بصفتهم أفراداً أحرار وعقلاء.

ربط السياسي بالعقائدي
الثالث: مع غياب معوقات بنيوية لدى الشيعة للانخراط في بناء الدولة، هل توجد معوقات موضوعية راهنة؟

برأيي هنالك معوقان أساسيان: أولهما تضخم الخصوصية الشيعية بمضمونها الديني الخالص، أي اختزال الجماعات الشيعية بمتخيلها الديني التاريخي، وتحيجم أبعاد هويتها الأخرى، من لبنانية، وعربية، وجغرافية، واجتماعية واقتصادية وغيرها. وهو تضخم مقصود ومبرمج، ليخدم وظيفة أيديولوجية معينة، ومهمة سياسية خاصة.

انعكس هذا التضخم في سلوكيات غلو ديني غير مسبوق، وفي عدوانية مباشرة وغير مباشرة تجاه المكونات المذهبية والثقافية الأخرى، وبات المكون الديني بمثابة المرجع الحصري والمحدد الوحيد للهوية الشيعية المعاصرة، وهي هوية تخدم وظيفة عزل الشيعي عن محيطه، وفصله عن فضائه الموضوعي، والتعامل معه بريبة وشك، إضافة إلى إنشاء مشروعية ذاتية به، تأبى الاندماج داخل مشروعية أوسع، هي مشروعية المجتمع المتعدد الثقافات، ومشروعية الدولة الجامعة لهذه المكونات.

هذا التضخيم ليس عفوياً، بل تقف وراءه أجهزة اعلام وآلة تعبئة وترويج تحرص على حصر المشروعية داخل دائرة المذهب، ولا تكون نابعة من المحيط الموضوعي الذي يعيش الشيعة في داخله. وهو أمر يفقد الدولة مرجعيتها بل صلاحيتها في ممارسة مهامها أو سلطتها على هذا المكون، باعتبار أن مصدر الأمر الملزم والمشروع في مكان آخر داخل المجال الشيعي، وليس الدولة.

ثانيهما: ربط الموقف السياسي بالمضمون العقائدي. ما يجعل السياسة من متفرعات الإيمان ولوازمه، ومن ضرورات الهوية الشيعية الثابتة، وليس خياراً فرديا أو تفضيلاً اجتماعياً. هذا الأمر حصل في مبدأ ولاية الفقيه الذي تأسس عليه نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. وهو مبدأ يرد السياسة من جديد إلى الإمامة، ويعتبر أن مشروعية أي عمل سياسي لا تكون إلا بتكليف أو إذن من الإمام “المعصوم”. ومشروعية السلطة، أية سلطة، حتى لو كانت في زمن الغيبة، تمنح من الإمام المعصوم فقط وليس غيره.

هذا المبدأ أعاد مسألة السلطة من جديد إلى أصلها الإلهي، بعدما باتت وفق منطق الدولة الحديثة، فعلاً مجتمعياً وتجسيداً لإرادة افراد المجتمع بصفتهم أفراداً عقلاء وأحرار يملكون صنع مصيرهم، وليس بصفتهم مؤمنين أو متدينين. فالدولة الحديثة أخرجت صلاحية الوحي في تقرير حقيقة السلطة ومشروعيتها إلى الأبد، ولم يعد للمؤسسة الدينية، أية مؤسسة دينية، أن تمنح مشروعية أو تلغيها، بل يمكنها المشاركة في النقاش العام لا بصفتها سلطة عليا بل بصفتها مؤسسة من مؤسسات المجتمع.

ألْهَنَةُ المفهوم السياسي وفق مبدأ ولاية الفقيه، يعني أن الدولة لا تملك مشروعيتها الذاتية، بل تمنح منحاً من قبل مرجعية فوقها هي مرجعية الولي الفقيه، الذي يستمد سلطته لا من الناس بل من الله. وهو أمر تسبب بثنائية ولاء متصارعة، بين ولاء للكيان السياسي المحلي، وولاء لمرجعية دينية من خارج الدولة.

بيد أن هذه المعوقات، هي معوقات موضوعية، أي طارئة وظرفية، وجاءت في سياق مشروع سياسي ذي بنية عقائدية وأيديولوجية خاصتين، ولا يمكن اعتبارها معوقات ثابثة، بل تتأثر بالمتغيرات السياسية المحيطة صعوداً وهبوطاً.

الرهان الوحيد لتحقيق فاعلية شيعية في بناء الدولة، هو في خلق حراك مجتمعي، يستعيد فيه المكون الشيعي، بالتآزر والتعاضد مع المكونات الأخرى في لبنان زمام المبادرة، ليكون بإمكانه وقف المصادرات التي تمارسها الطبقة السياسية بحقوق افراد المجتمع، وليكون بإمكان هذا المجتمع استعادة مرجعيته الفعلية في صناعة القرار السياسي. إذا كانت معوقات فاعلية الدولة وفاعلية المجتمع موضوعية، فإن الحل هو في إيجاد شروط موضوعية مقابلة، تمكن المجتمع من استعادة قدرته على أن يكون مرجع نفسه، وتمكن الفرد من أن يكون سيد مصيره.

التعليقات مغلقة.