محمد علي مقلّد : مشكلة لبنان ليست في الطائفية بل في مكان آخر

الدكتور محمد علي مقلّد

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

ضمن الندوة الفكرة والسياسية التي أقامتها”مجلة شؤون جنوبية” و”المنتدى الثقافي” في صور، كانت كلمة للدكتور محمد علي مقلّد الذي خالف الآراء السائدة في أن المشكلة في لبنان هي الطائفيّة، مؤكدا ان المشكلة هي في الطّبقة السياسيّة التي تمتهن الطائفية باساليب اثارة العصبيات من أجل تمرير المحاصصة السياسية والمالية لصالحها في البلاد. وهذه هي كلمة مقلّد:

«فرضيتي هي أن “الطائفة والسياسة، الطائفية، الطائفية السياسية”، مصطلحات تشبه الخدعة السينمائية، لأنها تجعل المشاهد يرى الأمور على غير حقيقتها، فتضع الطائفة ومشتقاتها في الواجهة وتتخفى السياسة وراءها.

وهي لعبة صنعها العلمانيون ولم يحسنوا اللعب بها بل قدموها لمن ظهر أكثر براعة منهم في المؤسستين السياسية والدينية. وربما صح نعتها بالحفرة حفرها العلمانيون فوقعوا فيها.

وهي تمثل أخصاماً وهميين أو تخيليين، بل موجودين حقاً، لكن وجودهم افتراضي فحسب. حين يقرر العلمانيون التصويب عليهم لا يصيبون شيئاً ولا أحداً.

الطائفية شعور فردي بالانتماء إلى طائفة. هذا صحيح. مثله مثل أي انتماء أهلي( سابق على الانتماء المدني) إلى القبيلة والعشيرة والعائلة أو حتى مثل أي انتماء إتني أو عر

قي. الشعور هذا، الذي يجسد ويعكس روح الانتماء الطبيعي، موجود لدى الأفراد، وهو قابل للتوظيف الايجابي في المحبة والتسامح والتعاون مع الآخر المختلف.

لكنه، في جانب منه، مبني على التعصب، فيكون حينئذ قابلاً للتوظيف في الحقد والكراهية لأن وجهه السلبي يتمثل في مرض قاتل هو مرض كره الآخر أو عدم الاعتراف به. وهو لا يكون خطيراً إلا حين تحول السياسة مشاعر الأفراد إلى شعور جماعي وتنظمها في حزب أو حركة. إذن هو ليس خطيراً في ذاته، بل في الحامل التنظيمي الذي يؤطره ثم يوظفه ثم يستخدمه سلاحاً إيديولوجياً فتاكاً ككل سلاح إيديولوجي لا ينتج غير الشوفينية.

عمر المشاعر هذه من عمر الانتماءات الطبيعية، لكن المصطلحات ولدت في حضارتنا الحديثة، وبالتحديد في اللحظة التي وضعت مجتمعاتنا أمام مهمة الدخول في هذه الحضارة وتحويل أنظمتها الاستبدادية إلى أنظمة ديمقراطية، وتحويل حكم السلالات والوراثة إلى حكم الشعب.

إذا اعتبرنا المعيار الطائفي في توزيع الرئاسات هو مرض النظام، وإذا دفعنا المسألة إلى نهاياتها المنطقية فهل يكون إلغاء الهوية الطائفية للرئيس هو الحل؟ الجواب القاطع لا. الأدلة على ذلك كثيرة نطرحها في أسئلة:

1- رئاسة الجمهورية شاغرة ، فهل ستحل مشكلة النظام السياسي إذا ما انتهى الشغور؟
2- هل مشكلة رئيس الجمهورية تكمن في انتمائه الطائفي؟
3- لو كان الرئيس شيعياً أو سنياً أو مسيحياً من غير الطائفة المارونية، فهل ستحل مشكلات النظام اللبناني؟
4- لو جعلنا الرئاسات مداورة بين الطوائف هل ستجد أمراض النظام اللبناني طريقها إلى الحل؟
5- السؤال الأبرز الذي ترتب الإجابة عليه تأكيداً على أن الطائفية ليست سوى خديعة هو، أية فائدة تعود على الطائفة من وجود شخص منها في موقع الرئاسة؟ وهل تستفيد الطائفة المارونية من وجود ماروني على رأس الجمهورية، والسؤال ذاته عن الشيعة ورئاسة المجلس النيابي ورئاسة مجلس الجنوب ورئاسة الجامعة اللبنانية، وعن السنة ورئاسة الحكومة ومجلس الانماء والإعمار؟

الأجوبة الصحيحة على هذه الأسئلة لا تنفي وجود مشاعر طائفية في النفوس حتى لدى المعتدلين من أبناء الطوائف، لكنها تنفي قطعاً أن يكون التمثيل السياسي في السلطة مجسداً حقيقياً لمصالح الطوائف، بقدر ما هو تجسيد لمصالح السياسي ذاته ومن حوله حاشية وأزلام ودائرة تتسع مثلما “تنداح دائرة في لجة الماء يلقى فيه بالحجر”

في مثل هذه الحالة قد يصح اعتبار الطائفية مرضاً لكنها ليست مرض النظام بل هي مرض الأفراد المصابين بالتعصب والجهل. والأصح أنها ليست مرضاً بل سلاح إيديولوجي يستخدمه اثنان ببراعة، السياسيون ورجال الدين الذين يسيّسون الدين. ومثلما هو مرض أفراد فهو كذلك سلاح يستخدمه الفرد الماكر في شحن نفوس الجماعة من الرعاع والدهماء. ويحسب من الدهماء كل من يرضى أن يكون مادة للشحن المذهبي، ولا سيما أولئك المزعومين نخبة ومثقفين.

السياسي الماكر يستخدم هذا السلاح في خدمة مصالحه السياسية والمادية. أما العلماني فيصيبه السلاح بقوته الارتدادية. لأنه، في تصويبه على الطائفية باعتبارها مرضاً، يبدو كأنه يصوب على الطائفة بعد أن يكون السياسي قد أقنع الرعاع بخطر العلمانية، ولاسيما بعد أن يظهر العلماني كأنه ليس معادياً لا للطائفية وحدها بل للدين أيضاً، وهي صورة يعمل السياسي ورجل الدين على تعميمها، فيساعدهم ذلك على شد أزر أبناء الطائفة حول الزعيم الطائفي وإبعادهم عن نخبتها العلمانية.

لا الطائفية مصطلح صحيح، ولا العلمانية شعار يداوي جرح النظام. فما العمل وما الحل؟

نستبدل مصطلح الطائفية بمصطلح المحاصصة فيستقيم التحليل والتشخيص والعلاج. النظام إذن ليس نظاماً طائفياً بل نظام محاصصة، وهو ليس نظام محاصصة طائفية، لأن المحاصصات ليست بين الطوائف بل بين سياسيين يزعمون تمثيل مصالح الطوائف فيما هم لا يمثلون غير مصالحهم الضيقة.

التعليقات مغلقة.