من يملك ذلك الجواب ؟

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها


يُقال “أمام الأزمات يُدرَك المرء على حقيقته”. وفي ظل التغطيات الدقيقة تتضح طينة الصحافيين والمراسلين. أن تحمل مايكروفوناً لا يعني أنك تتمتّع بصفة المحقّق البوليسي الآخذ بإدانة المتهّم، وأن تظهر خلال النقل المباشر ليس بالضرورة أنك تملك الهواء لإثبات توجّهاتك السياسية والمفاخرة بمواقفك.

لا نتحدث هنا عن موضوعية ولا عن أخلاقيات مهنية فقدناها ولا عن فتح الهواء الإعلامي للمسلحين في #عرسال. نتحدث تحديداً عن سرعة البديهة لدى المراسل الصحافي وعن صلابته في فرض سيطرته على لحظة حاسمة: الحوار المباشر مع الضيف أو صاحب الحدث. وأصحاب الحدث أمس هم العسكريون المحرّرون من براثن الإرهاب.

كان يُفترض على كل من أدى واجب تغطية الحدث أن يكون حذراً جداً في تعاطيه مع الجنود الذين تعرّضوا للأسر طوال سنة وأربعة أشهر في ظروف سيّئة للغاية أثّرت فيهم بشكل كبير. كما يُفترض على المراسل أن يدرك في الوقت عينه أن تحرير الأسرى تمّ وفق صفقة تبادل، لا في عمليّة كومندوس نوعيّة، بمعنى أن للتبادل شروطه التي فُرضت على قيادة العسكريين وتالياً عليهم، من دون أن ننسى التهديدات المستمرة لأهلهم ولهم حين صُوّب الرصاص والسكين إلى رؤوس رفاقهم.

“يلي خطفك بيكون عامَلَك منيح !؟”

لنؤطّر الجدال أكثر. أولاً، لا يمكن المراسل أن يغمز لمن يحاوره بالجواب المطلوب. أكثر ما يمكنه فعله هو استعراض السؤال في عقله – لا عبر غريزته العاطفية أو الحزبية – سبع مرات قبل طرحه، شرط أن يكون السؤال خالياً من الاستفزاز والإدانة والتهكّم وأن يكون مجدياً ولا تكرار فيه. فبأيّ حقّ نسأل عسكرياً لم يرَ النور منذ 16 شهراً فنقول له “من تشكر؟”، “يلي خطفك بيكون عامَلَك منيح!؟”، “اليوم لم تعودوا تحت الضغط ولا زلتم تشكرون تنظيماً إرهابياً خطفكم؟”، “بس إنتو حرقتوا قلوب أهلكم 16 شهر بتشكرهم لأن حرقوا قلب أهلكم؟”.

مهمّة التهذيب هذه التي تولّتها مراسلة قناة “#الجديد” حليمة طبيعة لم تقف عند هذا الحد، بل توجّهت إلى والد العسكري لتُعلّمه أن “غيرك أهالي رحل لهم شهداء ذبحوهم وأعدموهم!”. فوالد العسكري هذا كان في غيبوبة طوال سنة وأربعة أشهر ولم يكن على علم بما حدث لرفاق ابنه ولم يكن في وارد التفكير بأن يكون ابنه هو التالي. أليس هذا ما يقصده السؤال إذا لم يكن تهكميّاً؟

ثم يأتي دور زميلتها نانسي السبع في مشهد استعراضي آخر. تحاول السبع أن تستنطق جندياً آخر استعاد حرّيته قبل ساعات “أنَعتبر أن ذلك مشهد تلفزيوني غير واقعي؟”، وتضيف “غير إرهابي؟ لكن زميلكم #محمد_حمية تم قتله وكان معكم في المجموعة”، وتذكّره قائلة “في فيديو بينتوا فيه كلكم منهارين من البكاء إيه شو كان صاير؟”. كان على العسكري أن يجيبها “لا يا شيخة ماذا تقولين؟”. لكن جوابه أتى بما يقطع الشك باليقين أنه يتهرّب من الإجابة وأنه يبطّن الحقيقة ولا يستطيع التفسير أكثر، فقال: “ما عندي تفاصيل واضحة حتى جاوب بشكل صريح”.

غير أنّ المحقّقة لم تكتفِ بجوابه، لم تفكر للحظة أن هذا الأسير لم يرجع إليه صفاء الذهن ولا إمكان التملّص من شروط التبادل، وأنه أساساً إن شكر النصرة فلسبب واحد: أنها تركته حيّاً. وغاب عن المراسلتين أن علم النفس يبرّر أجوبة الأسرى، وأن لا مكان للمنطق بعد خطف وتعذيب وإذلال وترهيب نفسي مستمرّ وابتعاد عن العائلة والحياة الطبيعية.

هذا غيض من فيض الأسئلة الفارغة التي طرحها زملاء كثر. فـ #حسين_خريس من قناة “إم تي في” الذي نال نصيبه من الانتقاد لأسباب عديدة نكتفي بينها بسؤاله المتكرر للمحرَّرين فور إطلاقهم “من تشكرون؟” وهم لا يزالون محاطين بالمسلّحين. أما مراسلة الـ”أو تي في” فكان سؤالها أكثر عمقاً وأثراً “هل ستسمح لابنك بالدخول إلى المؤسسة العسكرية؟”.

هذا خطأ العسكريين الوحيد

لكن بالمنطق والحكمة كلّنا يعلم أن أجوبة العسكريين كانت على خطأ. إذ كان على كلّ منهم أن يجيب على سؤال من تشكر كالتالي: “أشكر #الإعلام اللبناني جزيل الشكر.

أولاً لأنه أضاء على قضيّتنا وخصص حلقات نقاش ومتابعة نفسية لوضع أهلنا.

ثانياً لأنه فتح برامج ذات طابع اجتماعي- خيري لمساعدة أمي التي دخلت المستشفى أربع مرات.

ثالثاً لأنه لم يعرض الفيديو المذلّ الذي ظهرنا فيه ونحن “منهارون من البكاء” (بحسب وصف الزميلة) بما يخدم #بروباغندا التنظيم الذي اعتقلنا.

رابعاً لأنه لم يعرض فيديوات إعدام رفاقنا ذبحاً او رمياً بالرصاص حفاظاً على مشاعر أهلنا.

خامساً لأنه التزم الصمت خلال عملية التفاوض رفضاً للتلاعب بمعنويّات أهلنا وأعصابهم وبما لا يضرّ باستكمال الصفقة.

سادساً لأنه لا يتقاضى أموالاً من دولة صغيرة شاركت في صفقة تحريرنا.

سابعاً لأنه لم يقم بحملة مضادة على اهلنا حين كانوا مُجبرين على قطع الطرقات.

ثامناً لأنه تنادى الى فتح حسابٍ مصرفي لتأمين خِيَمٍ بديلة عن تلك التي أحرقتها #التظاهرات الاخيرة. أما الشكر الخاص والأخير فهو للمراسلين لأنهم باتوا مع أهلنا في ضهر البيدر لمدة 16 يوماً وسمحوا لدخان الدواليب أن يفرّط في ماكياجهم ولأنهم لم يقعوا في فخّ الأسئلة المحرجة والمبكية أبداً”.

الدروس المهنية في الإعلام تتحدث عن الحياد الايجابي والانحياز للقضايا الوطنية والانسانية، لكن ما فعله المراسلون لم يكن انحيازاً ايجابياً بل مزايدة متهوّرة على جنود لبنانيين قضوا سنين عمرهم في الخدمة العسكرية وعلى الحدود تحديداً.

هؤلاء نالوا نصيبهم من الأسر والترهيب لأنهم غير مزوّدين بالأسلحة الفاعلة ولا محاطين بالتعزيزات اللازمة ولأن الصفقات والتسويات لا تتمّ إلا على دماء أمثالهم. يُؤخذ على الجنود أنهم كانوا متساهلين مع الكاميرا وأنهم أجابوا على الأسئلة بدل الامتناع عن التصريح. ربما هي حاجتهم للتعبير. حاجتهم لأن يتأكدوا أن التنظيم سيتركهم وعائلاتهم وشأنهم.

ليت الأسئلة كانت أكثر رأفة ورحمة ووعياً، ليتها كانت مهنيّة بحتة وغير استفزازية، ليتها لم تكن تحمل تأكيداً استعراضياً على موقف المراسلات من #جبهة_النصرة وإرهابها… في حين أن #الإرهاب عدوّ الجميع. مع فارق بسيط أن من وصل السكين إلى رقبته يختلف عمن يقضي نهاراته في كتابة الترّهات عبر مواقع التواصل.

التعليقات مغلقة.