قمة اقتصادية هزيلة الحضور تفضح هشاشة العهد

على وقع غياب رئاسي عربي مدوٍ عن القمة الاقتصادية التي تبدأ فعالياتها اليوم في بيروت مع اجتماع وزراء الخارجية العرب لاستكمال مناقشة بنود جدول الأعمال ومشاريع القرارات المُرتبطة بها، بدا الداخل اللبناني يغلي بانتظار انتهاء القمة. وعلم ان مشروع جدول أعمال القمة يتضمن 27 بنداً تتناول كافة الملفات الاقتصادية والاجتماعية العربية المرفوعة من الدورة الاستثنائية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الوزاري العربي في دورته التي عقدت في القاهرة الشهر الماضي، والتي ستطلق العمل بالسوق العربية المشتركة للكهرباء.

غياب عربي لافت
وبعد أن رست بورصة الرؤساء المشاركين في القمة على رئيسين، اعتبرت أوساط متابعة لتحضيرات القمة لـ”اللواء” ان خفض مستوى التمثيل بهذا الحجم الواسع يعكس أسوأ الرسائل العربية الموجهة الى لبنان سواء صح ان السبب الأساسي يتصل بما حصل حيال المشاركة الليبية أم ان الامر أبعد وأوسع ويتصل برسالة اعتراض كبيرة جداً على نفوذ ايران في لبنان.

وفي تقدير مصادر رسمية لـ”اللواء” ان لبنان الرسمي أنجز ما عليه بالنسبة لعقد قمّة عربية تليق بالقادة العرب، ولو كانت تحت عنوان اقتصادي تنموي، ولكن إذا حضر القادة أو لم يحضروا، فالمسؤولية ليست عليه، ولا يعني اعتذار معظم القادة العرب عن عدم الحضور، فشلاً بالنسبة إليه، وان كان بعض سياسييه وما اثاروا من إشكاليات سياسية تتصل بحضور سوريا أو تغييبها، ومنع مشاركة الدولة الليبية، وما رافقها من ممارسات، فضلاً عن الظروف العربية المحيطة بكل دولة عربية، ساهمت إلى حدّ كبير في إعطاء الانطباع عن فشل القمة بسبب ضآلة المشاركة العربية.

وسألت المصادر عبر “الشرق الأوسط”: “كيف يمكن لرؤساء دول أن يأتوا إلى بيروت في ظل هذا الواقع الذي أظهر غياب السلطة الفعلية للدولة؟”.
في المقابل، تُحاول مصادر معنية بتنظيم أعمال القمة تحميل خفض التمثيل العربي إلى الأزمة الداخلية التي نشبت حول تمثيل ليبيا، وحرق علمها في وسط بيروت. إلا أنّ مصادر ديبلوماسية تعتبر عبر “الأخبار” أنّ المسألة الليبية كانت “الحجّة العربية” لتوجيه رسالة سلبية إلى لبنان. أما الأساس، فهو “وجود ضغوط أميركية – سعودية على الدول العربية، تعزّزت مع زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبييو إلى المنطقة”. وتُقدّم المصادر “دليلاً” على كلامها، وهو تأخّر السعودية في تحديد موعد للبنان من أجل دعوتها إلى القمة، “وقد زارها قبل عشرة أيام الوزير جمال الجراح، وليس وزير الخارجية”. الرسالة التي تريد قيادة الرياض توجيهها أنّها “مُجرّد قمّة اقتصادية، لنزع أي طابع سياسي عنها، وبالتالي إفراغها من أهميتها”.

ووفقا للمعلومات “الديار”، فقد تبلغ المسؤولون اللبنانيون اكثر من تبرير من العواصم العربية حيال تخفيض التمثيل في القمة، فبالاضافة الى “برقية” دبلوماسية تلقتها الخارجية تشير الى ان ثمة قراراً اتخذ على مستوى جماعي بتخفيض التمثيل كون حكومة لبنان في طور تصريف الاعمال، ولا تملك الشرعية التي تؤهلها رعاية قمة كاملة الاوصاف، فان الرسالة من وراء ذلك كانت سعودية في الاصل، ولا علاقة لها بهذا التفصيل التقني الخاص بالمؤسسات اللبنانية، وكذلك لا يتعلق الامر بما حصل من احداث في الشارع وتجاذبات سياسية حول حضور ليبيا للقمة، فالرياض اعطت الدولة اللبنانية فترة اختبار امتدت على طول الاسبوعين الماضيين للتقدم خطوة باتجاه ما تعتبره الحضن العربي والعودة الى الاصطفاف مجددا في مواجهة صريحة مع ايران..

وقد ابلغ السفير السعودي في بيروت من التقاهم خلال الساعات القليلة الماضية ان المملكة تتفهم حساسية الموقف اللبناني اتجاه سوريا، وهذا الملف يجد طريقه الى المعالجة في اروقة الجامعة العربية، لكن المطلوب من القيادات اللبنانية في هذه المرحلة مواكبة التحرك الاميركي في المنطقة، والتضامن مع الاندفاعة المستجدة للحد من النفوذ الايراني، كمقدمة للحد من نفوذ حزب الله في الداخل اللبناني.

وفي المقابل تشير اوساط دبلوماسية عربية لـ”الديار” ان “الرسالة” واضحة للسلطة اللبنانية العليا عنوانها: لست على قدر المسؤولية… واستمرار التعاطي مع هذا الواقع بتجاهل والرضوخ لخطف قرار الدولة غير مقبول، لكنهم في الوقت نفسه لن يسمحوا ببقائه لقمة سائغة في فم ايران، من هنا كان القرار بالابقاء على القمة تأكيدا على هوية لبنان العربية وعدم افساح المجال امام انصار محورها بأخذ البلد الى حيث يريدون.

بعبدا: لا تعليق
في الموازاة، بدا لافتاً غياب أي موقف رسمي من خفض مستوى التمثيل واعتذارات الرؤساء والقادة خصوصاً في قصر بعبدا باعتبار ان رئاسة الجمهورية هي المعنية الأساسية بالقمة فان الصورة القاتمة لتداعيات هذا الخفض لم تغب اطلاقاً عن الكواليس السياسية والديبلوماسية ويخشى ان تشهد مرحلة ما بعد انتهاء القمة مزيداً من التفاعلات السياسية السلبية وتصفيات الحسابات بفعل التراشق بتحميل المسؤوليات التي تسببت بادبار القادة العرب عن القمة.

إلى ذلك، لاحظت مصادر مطلعة عبر “اللواء” ان هناك رغبة في عدم صدور أي تعليق من القصر الجمهوري على اعتذار عدد من الرؤساء وعن المشاركة في القمة، لكنها لفتت إلى انها قائمة.

وقد علمت “الأخبار” أنّ دوائر القصر الجمهوري واللجنة المنظمة للقمة العربية التنموية، يُجريان الاتصالات اللازمة في الـ24 ساعة المُقبلة، بُغية دفع بعض الدول إلى تعديل موقفها، وإعادة رفع تمثيلها، وهذا ما بدا واضحاً من كلام الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، من قصر بعبدا، حيث أشار الى إنّ شكل الحضور لم نتبينه وهو لم يحسم بعد، دعونا ننتظر لنرى كيف سيكون الحضور، ولكن بالتأكيد فإنّ لبنان يستحق جداً كلّ التكريم.

عون يطرح مبادرة
وسط هذه الأجواء، تتجه الأنظار الى الكلمة التي سيلقيها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في القمة، والنقاط التي يتم العمل على طرحها. وفي هذا الاطار، أشار وزير الاقتصاد رائد خوري في حديث لصحيفة “الشرق الأوسط” الى أن موضوع النازحين السوريين سيستحوذ على المساحة الأكبر في الكلمة، وهو سيربطها بالحل السياسي في سوريا، بحسب ما أعلنت المديرة العامة لوزارة الاقتصاد عليا عباس لـ”الأخبار”.

وبالنسبة إلى “المبادرة التنموية” التي يريد عون طرحها، فبحسب مصادر اللجنة المُنظمة، “سينتظر منحى الأمور خلال الاجتماع المشترك لوزراء الخارجية والوزراء المعنيين بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي التحضيري، ليُقرّر كيفية طرح مُبادرته التنموية لإنشاء صندوق عربي للإنماء”.

التعليقات مغلقة.