هل يكفي أن يعتذر مسؤول من شعبه ؟

على مدى ما يقارب التسعة أشهر لم نترك، نحن أهل الإعلام، سترًا مخبأً إلا وكشفناه، ولم نقصّر أبدًا في إلقاء اللوم على تأخير ولادة الحكومة على الجميع من دون إستثناء، وكنا نرى أن الأمور التي كانت تحول دون قيام “حكومة العهد الأولى” لم تكن “حرزانة” مقابل وضع البلد في مواجهة مفتوحة مع كمّ هائل من المشاكل والأزمات، التي يعاني منها كل لبناني، إلى أي طائفة أو منطقة إنتمى.

وهي أزمات تحتاج إلى كل دقيقة من الآن وصاعدًا للتعويض عمّا فات اللبنانيين من فرص، وهذا ما لمسناه في كلام رئيس الحكومة سعد الحريري فور إعلان مراسيم التأليف.

قد يؤخذ على الإعلام أنه كثير “النق”، ولا يرى سوى النصف الفارغ من الكأس، وهذا هو دور الإعلام الأساسي، أن يكشف المستور وألاّ يسكت عندما يرى الخطأ، وهوالمطلوب منه أن يكون مراقبًا حياديًا وأن ينحاز دائمًا إلى مصلحة المواطن، وإلى الإضاءة على مكامن الخلل والتقصير، وهذا ما سنستمرّ بالقيام به، ولكن ليس على طريقة “عنزة ولو طارت”، أو على طريقة “تيس حلبو”. فما يهمنا بالدرجة الأولى أن يأكل اللبنانيون عنبًا وليس قتل الناطور.

وبغض النظر عمّا شهدته مرحلة ما قبل التأليف من مماحكات ومن عرقلة ومن وضع العصي في الدواليب، وهي مرحلة يتمنى الجميع ألاّ تتكرر في المستقبل، فإن ما ينتظر الحكومة الجديدة من مهام كبيرة وملحة وضرورية تتطلب من الجميع، وبالأخصّ من الإعلام، مواكبتها بنظرة جديدة ومتفائلة، من دون أن يعني أن الإنتقاد حيثما يجب هو فقط للتجريح أوالتهشيم أو تثبيط للعزائم والهمم.

وعلى رغم أهمية الحدث، الذي كان مفترضًا ألاّ يكون مفاجئًا، فإن ما لفتني في أول كلام للرئيس الحريري، بعد صدور مراسيم التأليف، وعدا عن الإعراب عن نيته بالتعويض عمّا فات البلاد من وقت ضائع، هو أنه تقدّم من شعبه، الذي أنتظر طويلًا وأطال باله كثيرًا، بإعتذار هو من شيم من يكون في قمة المسؤولية، وهذا يعني أن ما ينتظر اللبنانيين، إذا ما صفت النيات.

وإذا ما كان العمل الحكومي عمل فريق واحد، على رغم تعدد إنتماءات الوزراء إلى أحزاب مختلفة، من مشاريع إنمائية، يجعلنا نتفاءل بالمستقبل، مع أن التجارب السابقة لا تسمح كثيرًا بالتفاؤل، الذي يبقى مرهونًا بما ستحققه هذه الحكومة من إصلاحات إدارية ومالية ومن مكافحة الفساد المستشري ووضع الأمور في نصابها الصحيح، التي من شأنها أن تعطي اللبنانيين نفحة من أمل بالتغيير المنشود، وهو المعّول عليه للنهوض بالبلاد من كبوتها.

فإعتذار الحريري من شعبه يعني أن المرحلة السابقة أصبحت وراءنا، مع ما حملته من مآسٍ وآثار كارثية، وهو يعني أيضًا التطلع إلى الأمام وترجمة مشاريع “سيدر” بشفافية مطلقة ومحاسبة المقصرّين وتشجيع المندفعين، مع العلم أن عيون الجميع، من الداخل والخارج، شاخصة نحو الحكومة ونحو ما ستقدم عليه، بإعتبار أن تغطية المقصرّ والفاشل لم تعد مقبولة، وهذا ما لمسناه من الكلام الأخير لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي سيكون له كلام آخر مع كل من تسول له نفسه ضرب هيبة الدولة بعرض الحائط.

والإعلام سيكون، ونحن من بينه، العين الساهرة. فلا تأييد على “العمياينة” ولا معارضة حبًا بالمعارضة، إذ سيكون لكل مقام مقال. فإذا حققت هذه الحكومة ما يتطلع إليه اللبنانيون سنكون من أول المصفقين. أما إذا أخطأت فإننا لن نرحمها.

فالآتي من الأيام لن يكون كما سبقها، وما قبل 31 كانون الثاني لن يكون كما قبله. ومن يعش يرَ.

اندريه قصاص

التعليقات مغلقة.