لعنات التاريخ لا تترك لبنان

التاريخ لعنة. لعنة على الأقوياء والضعفاء في آن. يأتي ذلك مع تبدل الأحوال والمراتب، وهذا لن يكون أحد بمنأى عنه. في لبنان لم يستوعب أحد بعد أن التاريخ لا يمكن له أن يقف عند محطّة. البؤساء يفعلون هذا فحسب. يجترّون ما يريدون من التاريخ، بطولات، ملاحم، صولات وجولات، إلخ. البؤس منبعه أن هذا النوع من الناس يصبحون أسرى ما يشتهون، وبالتالي يضحون في وضع أشبه بالقطيعة مع واقعهم، أي خارجه تماماً. فلا هم قادرون على استعادة الماضي، ولا على التعامل مع الواقع الجديد وما يتطلبه من مرونة.

هذا حالنا نحن اللبنانيين. بإمكاننا أن نقول لقارىء هذه المقالة، إنه ربما بات يحفظ كل جملة “نارية” تفوّه بها نائب عن طائفة تخص طائفة أخرى. شيء ما يشبه الإشتباك بأوراق التاريخ بين خصوم الأمس، وحلفاء اليوم لكن … إلى حين.

ليس هناك من داع لإعادة سرد تفاصيل كل ما سمعناه جميعنا قبل أيام وسبق لنا أن سمعناه هو نفسه سابقاً مع كل جلسة لمجلس النواب أو مجلس الوزراء أو مناقشة بيان وزاري. “وصاية سورية”، “إحتلال سوري”، “إيران”، “إسرائيل”، “رئيس عالدبابة”، “رشيتوا رز عالإسرائيلي”. بإمكان هذه الكلمات أن تكون أشبه بكلمات مفتاحية يستطيع معها القارىء أن يستحضر المشهد الذي يحلو له وجاء فيه هذا الكلام.

التاريخ يُعقل. التفكير في التاريخ وقوانينه هي التي تساعدنا على تجاوز مشاكلنا. على أن نتحرر من ربقة الماضي مهما كان شكله، ومهما كان نوعه، سواء لصالحنا أم لا. أن نتعقل تاريخنا في لبنان، يعني أن نفهم كيف وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم! أن نفسر كيف قامت الحرب الأهلية وانتهت ظاهرياً وكيف أنها مشروع دائم ينتظر الشرارة ليحصد أرواحاً جديدة لم ترتح عظام أهلها بعد.

تعقل التاريخ يجعلنا نتبين أن الكثير من أزماتنا لم تزل معلّقة. المفقودون، ضحايا الحرب، دخول سوريا الى لبنان، فكرة المقاومة، نظرة اللبناني الى بلده، موقعنا في محيطنا، وغيرها الكثير.

من مِن أولئك الذي يكيلون لبعضهم الإتهامات قادر على أن يمنح أمّاً أملاً ما أو أن يعطيها جواباً عن ولدها المفقود؟ من من هؤلاء يستطيع أن يقدّم لنا تفسيراً نهائياً حول الكيان اللبناني؟ ما هو موقعه بين الدول؟ وما هو الناظم لعلاقاتنا نحن اللبنانيين فيه؟ الماضي بتوازناته المعروفة أم بموازين قوى اليوم؟

لم نخرج من الماضي ولن نفعل ذلك. نحن أسرى ما نحب من هذا الماضي. لكننا في الوقت نفسه سنتخلّف عن اللحاق بالمستقبل. هذا الذي لا يقوم على التناسي، بل على التصالح مع الماضي مهما كان شكله. لسنا أول الشعوب التي خاضت حروباً أهلية مدمّرة! أوروبا عاشت 100 عام من الحروب الدينية، ثم حربين عالميتين … وها هي اليوم، قطب إقتصادي واحد وحدود مفتوحة، علماً أن شعوبها لم تبدل معتقداتها الدينية!

اللبنانيون سيغرقون في الفشل لأنهم ارتضوا أن يبقوا أسرى التاريخ ولعنته التي تستقر في نفوسهم … وكيانهم!

التعليقات مغلقة.