لبنان أمين معلوف ولبنان وزير الخارجيّة

طالبوا مع أبعاد بـ #المؤبد_إلو_الحياة_إلها

يستخدم أمين معلوف عنوان “غرق الحضارات” (دار غراسيه) لكتابه الأخير، مواصلًا مسيرة التأليف الروائيّ – الفكريّ – الأنتروبولوجيّ، منشغلًا بالهمّ الحضاريّ للعالم، وللحياة الإنسانيّة، منطلقًا من تجربة حياته هو، وسيرته، متجوّلًا في الأرض، محتكًّا بشعوبها وثقافاتها، مستوعبًا الجزئيّات والإتنيّات والمذهبيّات والفوارق والانقسامات، متجنبًّا الوقوع في فخاخها المسمومة.

ليستخلص من هذا كلّه رسمًا مشهديًّا للحضارات الغارقة، داعيًا إيّانا إلى التبصّر في أحوال الوجود، ومساءلة إشكاليّات التفاعل بين الجوهريّ العريق والآنيّ العابر، على ضوء الغرق، في مستوياته ودلالاته كلّها.

إنّها لمفارقةٌ مفجعةٌ كبرى، أن يكتب عضو “مجمع الخالدين” في الأكاديميّة الفرنسيّة، وأحد “رُسُل لبنان الشاعر” في العالم، عن غرق الحضارات والثقافات والإنسانويّات، في حين يواصل “رسول وزارة الخارجيّة اللبنانيّة” إلى العالم إطلاق سلسلةٍ من السياسات والمواقف، تنمّ عن الغرق في مستنقع جيناتنا وهوّياتنا وعنصريّاتنا القاتلة، محلًّلًا عبقريّة هذه الجينات “اللبنانويّة”، متباهيًا بفرادتها غير المسبوقة.

أنظر إلى “لبنان أمين معلوف”، مجتهدًا (مجاهدًا) في أن أنأى به عن “لبنان وزير الخارجيّة”، لكنْ من دون جدوى. لا أحد في الوسط السياسيّ هنا (تقريبًا) يحبّ أمين معلوف وتصوّراته الحضاريّة والثقافيّة، ورؤاه الإنسانيّة والمجتمعيّة. وإذا خُيِّر اللبنانيّون بين “لبنان أمين معلوف” و”لبنان وزير الخارجيّة”، فسينحازون بلا ريب في غالبيّتهم الماحقة إلى لبنان وزيرنا المفوّه. وخصوصًا في ما يتعلّق بمسألة الجينات اللبنانويّة.
أسمّي “لبنان أمين معلوف” و”لبنان وزير الخارجيّة” بتحفّظٍ وحذر، مبديًا الحرص الشديد والمتشدّد على أن لا أحصر هذين اللبنانَين في هذين الإسمَين. علمًا أن لبنان السياسيّ، الحكوميّ، النيابيّ، لبنان الطبقة الحاكمة، من أعالي الهرم إلى أسافله العميمة، يعجّ بـ”جينات” أمثال وزير الخارجيّة، في الأحزاب والتيّارات والقبائل والطوائف والمذاهب والمناطق (اللبنانويّة)، حيث من المعيب المعيب أن يكون سجلّ لبنان هذا، في غالبه الأعمّ، حافلًا بمثل هذه الأفكار عن الجينات ومآثرها التي يندى لها جبين الأخلاقيّات الحضاريّة في العالم.

أتطلّع إلى الزعماء والقادة والوجهاء لدى السياسيين المسيحيين (الموارنة خصوصًا) والسنّة والشيعة والدروز، في غالبهم الأعمّ الأعمّ، فلا أجد تقريبًا إلّا مَن يتباهى بالجينات. مرّةً جديدةً، أشعر بأنّي مدعوٌّ إلى إشهار هذه الحقيقة الساطعة، لكن المقيتة. وإذ أجدني أعترف بانسداد أفق التغيير العميق في البنى الذهنيّة والثقافيّة للناس، بسبب الانحطاط الأخلاقيّ الحضاريّ لدى أهل الطبقة السياسيّة، وخصوصًا من جرّاء قطيعيّة الناس الملتحقين بركابهم، الذين يجعلون لبنان عارًا بين الأمم، أجدني مدعوًّا بقوّةٍ إلى التمثّل بخيارات أمين معلوف الحضاريّة، لا بخيارات وزيرنا للخارجيّة.

أمين معلوف لن يكون سعيدًا بهذه المقارنة. أعتذر منه، ومن “كلّ أمين معلوف لبنانيّ آخر”، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، أكان في لبنان أم في بلدان المهجر. أنا شخصيًّا، لا يشرّفني الانتماء إلى “لبنان وزير خارجيّتنا”. أنتمي، فقط، إلى “لبنان الشاعر”.

عقل العويط

التعليقات مغلقة.