أن نذكر العلامة السيد محسن الأمين

كان لافتاً أن الرئيس نبيه بري قال في ذكرى تغييب السيد موسى الصدر : “لقد أضعنا القِبلة السياسية في فلسطين، وأضعنا القِبلة العربية بل والدينية. فهل وصلنا الى الزمن الذي يصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر ؟ أو ينطبق قول المغفور له العلامة الحجة السيد محسن الأمين ذات يوم حين قال : “ظل الشيعة والسنة يتجادلون ويتقاتلون حتى صار خليفتهم المندوب السامي الفرنسي”..

فمن خليفتنا الآن ؟ وقصدنا باللافت ليس حديثه تضييع القِبلة أو البوصلة، بل ذكره الشخصية الجدلية العلامة محسن الأمين، وهذا ما دفع بعض الكتّاب إلى التذكير بهذه الشخصية الدينية، وذكر أنه في العام 1943 وبعد إعلان الإستقلال السوري، ذهب رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والوزراء إلى بيت محسن الأمين، وقال الرئيس شكري القوتلي حينها مخاطباً الأمين: لقد جئنا نهنئك بالاستقلال وأنت العامل الأول للاستقلال، وقررت الحكومة السورية تسمية المنطقة كلها باسم “حي الأمين” بدلاً من اسم “حي الخراب” الذي كان يُطلق على المنطقة.

والأمين من بلدة شقرا الجنوبية، شخصية لبنانية دينية معروفة، له وقعه الخاص في الفتاوى والفقه، بدأ مسيرته في نجف العراق وانتقل الى “خراب” دمشق (قبل تسميته حي الأمين) حيث عاش ووضع الحجر الأساس لبناء مدرسة البنات فيها، لأنه كان يدرك أن المرأة الجاهلة لم يعد لها مكان في هذا العصر.. وفي حين كانت مواكب العزاء الكربلائية في العراق تمارس التطبير أو الإدماء، كان الامين ينشر رسالة “التنزيه” ويبرئ القضية والدين من العمل الهمجي والعنيف، وكان يعرف ما ينتظر الرسالة من الغوغاء وقادتهم. وقد أحدثت تلك الرسالة ضجة كبيرة بين المؤمنين، وتفاعلت معها طبقات المجتمع الاسلامي آنذاك ـ بين مؤيد ومعارض… واليوم هناك عشرات الطبعات المزورة والمحرفة لرسالة “التنزيه” التي شكلت علامة فارقة في الإصلاح الديني…

وعدا عن الإصلاح الديني المنسوب الى العلامة الأمين، اللافت أن أنجاله، وهو من “شيوخ العلماء”، ليس بينهم رجل دين واحد، أي مَن يعتمّ بعمامة، وقد يكون هذا مرتبطاً بالسيد الامين واعتداله. فلم يكن غريبا ان يذهب أنجال الأمين الى التمدين، ويكتب نجله هاشم الأمين معللا التردد الذي صبغ موقف والده في صدد تنشئة أولاده فيقول: “كان التخبط لتنشئتنا استمراراً لما درج عليه الآباء والأجداد قبلنا وكان الواقع الاجتماعي الجديد انعطافاً في طريق اخرى، الى غاية اخرى”، حتى إذا ذهب هاشم، ابن الـ13 سنة، الى النجف ليطلب علوم الدين، ألفى نفسه أبعد شيء عن هذا المحيط الجديد بكل ما فيه من أوضاع وعادات اجتماعية وبرامج واصطلاحات ثقافية فرجع الى بلده…

ويروي هاشم الأمين في سيرته “الحزب والخيبة” المنشورة في جريدة “السفير”، انه بعد هذا، بدأت القصائد “على الطريقة السلفية، بالغزل والنسيب أو الحكمة والموعظة، ثم التخلص الى الموضوع المقصود”. فكان أحد أبرز سبل الاحتجاج على التقاليد النجفية الدينية، والانسلاخ عنها الى التجديد وربما التحديث، ونظم الشعر بما يتناسب مع نوازع الذات والحالة. وانضم الى الحزب الشيوعي (الزمن البكداشي)، وتركه بعد خلاف على موقف الحزب من القضية الفلسطينية، ومارس خالد بكداش في حقه نوعاً من التشهير الفظ لإقصائه، وكان عيّن عضواً في اللجنة المركزية (من غير أن يدري).

ودرس حسن الأمين في مدرسة حكومية مدنية في شقرا، على يدي “أول معلم حكومي، عيّن لمدرسة شقرا، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى”، وحطّ الأمين قاضياً في مدينة النبطية، وكانت لديه نظرة “شيعية” خاصة للحرب الصليبية وتحرير القدس وتاريخ صلاح الدين الأيوبي وأسطورته، ويضعه في “مقام” الخائن لا البطل. كل ذلك يتعلق بسبب قضاء صلاح الدين على الدولة الفاطمية.

أما النجل الثالث للعلامة الأمين، عبد المطلب، فأجيز في الحقوق وتولى القضاء، قبل ان ينتقل الى المحاماة والصحافة والوظيفة. وعلى نحو ما كان دخول هاشم الأمين الحزب الشيوعي، في سوريا ولبنان، علامة على انفصال الشاعر عن الفكر والثقافة السابقة، شرب عبد المطلب محسن الأمين، الخمرة، وجهر بالأمر شعراً. على أن وظيفته الدبلوماسية في فترة من الفترات كانت عوناً على رؤية العالم والمرأة، وهو من الأشخاص القلائل الذين أضحكوا الجورجي جوزيف ستالين فقد أبلغه يوم كان قنصلاً لسوريا في موسكو، بأنه “لا مطامع لسوريا في روسيا”.

ولم يفعل الأمين ذلك سرًا. بل سجل الموقف السوري علنًا أمام ستالين، عندما جاء دوره لإلقاء كلمة قصيرة في حفل شعبي ورسمي عام. افترَّ شاربب ستالين عن ابتسامة عريضة، قلما فعلها أمام الروس الذين حكمهم أكثر من ثلاثين سنة… اذ لا وئام بين الطغاة والضحك وهذا ما تبينه كتابات أومبرتو إيكو وميلان كونديرا وسلمان رشدي…

أما جعفر الأمين فهو النجل الرابع لمحسن الأمين، كان يلقب بـ”حطيئة العصر”، وهو من الأدباء الذين عمروا سوق الأدب في الخمسينيات من القرن الماضي، وله بين إخوانه صولات وجولات كانت ولما تزل حديث العامليين، لا سيما القصائد التي تبادلها مع الأديب نور الدين بدر الدين، وله قصته الدرامية المتعلقة بوالدته…

وكان محسن الأمين وأنجاله، مرآة على التحولات السياسة والفكرية والدينية، فانشقاق أنجاله عن النجف والمسار الديني وتحولهم الى الأفكار الحداثوية سواء اليسارية أو القومية أو غيرها (لنتذكر هنا الشيوعي حسين مروة الذي ترك العمامة)، إشارة إلى واقع ما كان يحصل في العالم، ومنها الشرق الشرق الأوسط. يبين الباحث وضاح شرارة في كتابه “دولة حزب الله” أن طبقة رجال الدين الشيعة في لبنان في الاربعينات والخمسينات والستينات، قاربت الانتهاء. لم يبق منها سوى 42 شيخاً بالعدد. اما الأسباب، فمنها انقطاع جامعة النجف يومذاك عن عصرها اذ بحسب شهادات بعض تلامذتها كان لبس الحذاء ونظافة الثوب والأكل بالشوكة والسكين وقراءة الصحف والمجلات أموراً مكروهة ومريبة.

أما السبب الأساسي، فهو فانصراف أبناء العائلات التي تتوارث العلم الديني الى العلم العصري، لكن هذه الصورة ستبدأ في التحول منذ انهيار الناصرية وصعود الساداتية التي دعمت الجماعات الإسلامية في مواجهة اليسار، وستزيد وطأة التحولات نحو الدين والاسلام السياسي مع اندلاع الثورة الخمينية وحرب أفغانستان وبدء تنامي الأصوليات السنية والشيعية، الوهابية والخمينية ورواج ثقافة الحجاب، فضلا عن تهاوي ثقافة اليسار وصولاً الى انهيار المنظومة الشيوعية في بداية التسعينيات، وإذا ما قصرنا الكلام على حزب الله، فمع مجيئه الى لبنان بدأ يتمدد ويقصي كل شيء، يتغلغل ويبدل في الثقافة والأحوال والمشاهد واللغة والحياة.

وبات في كل عائلة وكل بلدة عشرات المشايخ وأصبح سهلا التعمم واكتساب المواقع مع انتشار الحوزات الحزبية، وطغت ثقافة حزب الله الشمولية والأحادية على المناطق الشيعية وغيرها، حتى أنهم لم يحتملوا العلامة محمد حسين فضل الله الذي اعتبر في يوم من الأيام “مرشدهم الروحي”. بمعنى آخر تقلص حضور ثقافة محسن الأمين في زمن الخطاب الاحترابي، لا مكان لشيء سوى المعركة وتمجيدها، ولم تعد المسألة خلاف حول الخلافة بل إننا نعيش وسط نهر من الدم وبحر من الأحقاد…

محمد حجيري

التعليقات مغلقة.